مقالات أخرى

المعرفة بقانون العمل… الخطوة الأولى نحو عمل نقابي ناجح ومؤثر



خليفة بن سيف الحوسني

رئيس قسم البرامج والتوعية القانونية

الاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان


لم يعد العمل النقابي، في الفكر القانوني والاجتماعي المعاصر، تعبيرًا تلقائيًا عن تكتلٍ مهني فحسب، يسعى بدافع الحاجة إلى تحسين شروط العمل وظروفه، وإلى حماية حقوق العمال أو وتحقيق العدالة في علاقات العمل؛ بل أصبح -نتيجة تطور التشريعات الاجتماعية وزيادة حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الدولة في تنظيم سوق العمل- وظيفةً قانونيةً مؤسسيةً، تضطلع بمسؤوليات دقيقة وأدوارٍ بالغة الأهمية([1])؛ فقد انتقلت النقابة من إطارها التقليدي باعتبارها وسيلة للدفاع الجماعي عن مصالح العمال، إلى كِيان قانوني منظم، يمارس اختصاصاته ضمن حدود تشريعية واضحة، ويباشر صلاحياته وفق ضوابط قانونية، تحكم آليات التمثيل والحوار والتفاوض، ولم تعد آثار العمل النقابي مقتصرةً على تحسين أوضاع العمال المهنية فحسب، بل امتدت لتلامس استقرار المراكز القانونية للأطراف كافة، وتساهم بصورة مباشرة في تعزيز استقرار المنشآت، وترسيخ السلم الاجتماعي، ودعم التوازن الاقتصادي الوطني، بما يجعل المعرفة بأحكام قانون العمل والقرارات الصادرة بشأن تنفيذه ركيزةً أساسية لنجاح العمل النقابي.

أهمية الوعي القانوني في حماية العمل النقابي

وإذا كان هذا التحول قد فرض على العمل النقابي أعباءً جديدة، فقد جعله في الوقت نفسه أكثر التصاقًا بالقانون، بحيث يصعب تصور أي ممارسة نقابية رشيدة بمعزل عن معرفة بأحكام قانون العمل، وفلسفته الحمائية، وحدوده المؤطرة، ومقاصده الاجتماعية؛ فالنقابي -وهو يتحدث باسم العمال المنتسبين إلى النقابة والمكوّنين لجمعيتها العمومية- إنما يمارس وظيفة تمثيلية، تستند إلى تفويض جماعي، يحمّله مسؤولية التعبير عن مصالح العمال، والدفاع عن حقوقهم في إطار من المشروعية والمسؤولية؛ فهو لا يباشر حقًا شخصيًا خالصًا، وإنما يؤدي وظيفة تمثيلية ذات طبيعة قانونية، قد تجعل أقواله وأفعاله موضعًا للمساءلة، أمام الجهات الإدارية والقضائية، إذا كانت تلك الأقوال أو الأفعال مخالفة لأحكام القانون ، ومن ثَم فإن الجهل بالقانون لا يعد قصورا معرفيا فحسب، بل قد يتحول إلى عامل هدم للمصلحة العمالية نفسها، حين تنقلب المطالبة بالحق إلى سبب في إهداره أو تعريض أصحابه للمخاطر القانونية([2]).

الحماية القانونية وحدود التفاوض النقابي

وتتضح هذه الحقيقة أكثر، عندما ندرك أن قانون العمل لا يقف، في بنيته ووظيفته، عند حدود التنظيم المجرد لعلاقة تعاقدية بين طرفين متكافئين، وإنما

يقوم -بخلاف القواعد العامة في القانون المدني- على فكرة الحماية التشريعية للطرف الضعيف في العلاقة، وهو العامل، وهذه الحماية لا تتجسد فقط في منح الحقوق، وإنما تشمل فرض قيود على سلطان الإرادة، تجعل بعض الحقوق غير قابلة للتنازل، وبعض الشروط باطلة بطلانًا مطلقًا، متى خالفت النظام العام الاجتماعي، ولو تم ذلك برضا العامل نفسه([3])؛ وعليه فإن النقابي الواعي لا يقتصر دوره على رفع سقف المطالب، بل يمتد إلى إدراك طبيعة هذه المطالب، وحدود مشروعيتها، وما يجوز التفاوض فيه وما لا يجوز، وما يدخل في نطاق الحقوق المكتسبة، وما يظل رهينًا بالتوازن الاقتصادي للمنشأة.

المشروعية القانونية للعمل النقابي

وقد أكد الفقه الاجتماعي المستقر أن العمل النقابي، حين ينفصل عن الإطار القانوني، يفقد تدريجيًا مشروعيته الاجتماعية قبل أن يفقد مشروعيته القانونية؛ إذ يتحول من أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية إلى عنصر اضطراب ([4])؛ لذلك لم يعد الوعي بقانون العمل ترفًا فكريًا بالنسبة إلى النقابي، بل بات شرطًا جوهريًا لبناء أي ممارسة نقابية رشيدة، قادرة على تحقيق التوازن بين حماية حقوق العمال وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي، وهذا التوازن هو الغاية التي يسعى التشريع الاجتماعي إلى تحقيقها.

قانون العمل الجديد وتنظيم العمل النقابي

وفي سلطنة عمان، ازدادت أهمية هذه المسألة إثر صدور قانون العمل، الصادر بالمرسوم السلطاني، رقم (53/2023)([5])، الذي جاء ليعكس مرحلة تشريعية أكثر نضجًا، استوعبت التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وسعت إلى مواءمة التشريعات الوطنية مع معايير العمل الدولية؛ إذ أعاد هذا القانون تنظيم العديد من المسائل الجوهرية المرتبطة بعلاقات العمل، ومنها:

  1.  وضع ضمانات للعامل عند إنهاء عقد العمل أو قيود على الفصل غير المشروع.
  2.  حظر التمييز.
  3. تنظيم تسوية منازعات العمل، وهيكلة الحوار الاجتماعي.

 وهو ما يجعل الإحاطة بأحكامه شرطًا لا غنى عنه لأي ممارسة نقابية جادة وفعَّالة.

التنظيم القانوني للنقابة العمالية

ولا يقتصر أثر المعرفة القانونية على الجانب الدفاعي أو الاحترازي في العمل النقابي، بل يمتد إلى البناء المؤسسي للنقابة العمالية نفسها؛ فتنظيم الكيان النقابي، وصياغة لوائحه الداخلية، وضبط علاقته بأعضائه وبالجهات الإدارية، كلها مسائل ذات طبيعة قانونية خالصة، وأي خلل في هذه المرحلة التأسيسية قد يؤدي إلى بطلان الإجراءات، أو إلى إضعاف المركز القانوني للنقابة، بما ينعكس سلبًا على قدرتها في تمثيل العمال تمثيلًا صحيحًا ومستقرًا، وقد دلت التجارب المقارنة على أن النقابات التي أهملت البعد القانوني في تنظيمها الداخلي كانت أكثر عرضة للتفكك والصراعات الداخلية، وأقل قدرة على الصمود أمام التحديات الخارجية([6]).

المفاوضة الجماعية في الإطار القانوني

ويظهر الدور الحاسم للمعرفة القانونية -بوجه خاص- في مجال المفاوضة الجماعية، التي تمثل القلب النابض للعمل النقابي المنظم؛ فليست المفاوضة صراع إرادات، ولا ساحة لاستعراض القوة العددية، وإنما هي عملية قانونية مركبة، لها مراحل وضوابط وآثار ملزمة، والنقابي الذي يستند في طرحه إلى نصوص قانونية واضحة، ويحسن توظيف المبادئ العامة لقانون العمل، يكون أقدر على تحقيق مكاسب حقيقية ومستدامة للعمال، دون الإضرار باستقرار المنشأة أو تجاوز حدود المشروعية، أما المفاوضة التي تدار بمنطق الشعارات أو الضغوط غير المنضبطة، فإنها غالبًا ما تنتهي إلى نتائج عكسية، تضعف المركز التفاوضي للعمال وتفتح الباب أمام النزاعات القضائية.

المعايير الدولية والحرية النقابية

ولا يمكن إغفال البعد الدولي للعمل النقابي -وعلى وجه الخصوص- معايير العمل التي وضعتها منظمة العمل الدولية منذ نشأتها، والتي شكّلت مرجعًا عالميًا لتنظيم علاقات العمل وحماية حقوق العمال الأساسية؛ فقد أكدت الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي رقم (87)، واتفاقية حق التنظيم والمفاوضة الجماعية رقم (98)، أن الحرية النقابية ليست منحة تشريعية قابلة للتقييد التعسفي، بل حق أصيل من حقوق الإنسان في مجال العمل، لا يجوز المساس بجوهره بأي ذريعة، وتمتد أهمية هذه المعايير إلى كونها تشكل إطارًا تفسيريًا، يستأنس به في فهم النصوص الوطنية وتطبيقها، لا سيّما في الحالات التي يشوبها الغموض أو تتعدد فيها أوجه التأويل([7]).

المعايير الدولية كمرجع للمطالب النقابية

وقد أرست منظمة العمل الدولية -من خلال اتفاقياتها وتوصياتها- منظومة متكاملة من المبادئ، من بينها:

  1.  حظر التمييز في الاستخدام والمهنة.
  2. ضمان الأجر العادل.
  3. توفير شروط عمل لائقة.
  4. حماية العمال من الفصل التعسفي.

وهذه مبادئ لا تقتصر قيمتها على كونها التزامات دولية فحسب، بل تمتد لتشكل معيارًا لقياس نضج السياسات والتشريعات الوطنية.

وتأسيسًا على ما تقدم، بات الاستئناس بالمعايير الدولية للعمل في الخطاب النقابي أداةً فاعلة لتعزيز مشروعية المطالب العمالية؛ إذ يضفي عليها سندًا حقوقيًا يتجاوز الإطار المحلي، ويجعلها قائمة على قواعد مستقرة ومبادئ معترف بها في نظام العمل الدولي.

التكامل بين العمل النقابي والخبرة القانونية

وفي العديد من النظم المقارنة، قد أثبتت التجارب العملية([8]) أن النقابات الأكثر تأثيرًا واستدامة هي تلك التي جعلت المعرفة القانونية ركيزة أساسية لنشاطها، وأدركت أن الوعي بالحقوق لا ينفصل عن الوعي بالواجبات؛ فالعامل الذي يدرك طبيعة عقد عمله، وحدود سلطة صاحب العمل، وآليات التظلم والتقاضي، يكون أكثر قدرة على الدفاع عن نفسه، وأقل عرضة للاستغلال أو التعسف، وهو ما

ينعكس إيجابًا على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويحدّ من النزاعات التي يمكن تجنبها، غير أن هذا لا يعني أن يتحول النقابي إلى رجل قانون متخصص، بل أن يمتلك حدًا أدنى من المعرفة القانونية التي تمكّنه من تمييز المسائل الجوهرية، واستدعاء الخبرة القانونية عند اللزوم، والتعاون الفعّال مع المختصين؛ فهذا التكامل بين العمل النقابي والمعرفة القانونية دليل على النضج المؤسسي، وعلامة على انتقال العمل النقابي من الطابع العفوي إلى الفعل المنظم القائم على العلم والتخطيط.

التمكين القانوني للعمل النقابي

وأرى على المستوى الشخصي، أن مستقبل العمل النقابي في سلطنة عُمان، وفي غيرها من الدول الساعية إلى تحديث تشريعاتها الاجتماعية، مرهون بمدى قدرة النقابات العمالية على بناء كوادر واعية بالإطار القانوني الوطني والدولي، وقدرتها على التوفيق بين الدفاع المشروع عن الحقوق والالتزام بقواعد النظام العام الاجتماعي، ولا ريب أن ترسيخ المعرفة القانونية في العمل النقابي، والاستئناس الواعي بمعايير منظمة العمل الدولية، يعدان ركنا أساسيا في هذا الصدد، وضمانا لبقاء النقابة العمالية قوةً إصلاحية فاعلة، تساهم في تحقيق العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي في آن واحد.


[1]  محمد عبد الكريم الطراونة، الوجيز في شرح قانون العمل – دراسة مقارنة في التشريعات العربية، عمّان، دار وائل للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 2022م، ص 214.

[2] محمود جمال الدين زكي، الوجيز في نظرية الحق، دار النهضة العربية، القاهرة، 1980، ص 312.

[3]  وزارة العمل (سلطنة عُمان). (53/2023). قانون العمل في سلطنة عُمان. المادة4.

[4]  أحمد حسن البرعي، شرح قانون العمل المصري في ضوء الفقه والقضاء، دار النهضة العربية، القاهرة، 2014، ص 45.

[5]  قانون العمل سلطنة عُمان. (53/2023). وزارة العدل والشؤون القانونية، ص11.

[6] محمد الكشبور، قانون الشغل المغربي – علاقات الشغل الفردية والجماعية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الثانية 2018م، ص 423.

[7] منظمة العمل الدولية. اتفاقيتا الحرية النقابية وحماية حق التنظيم (رقم 87) وحق التنظيم والمفاوضة الجماعية (رقم 98).

[8] كاي فريك وديفيد والترز، ممثلو العمال في السلامة والصحة المهنية بالمؤسسات الصغيرة: دروس مستفادة من النظام السويدي، مجلة العمل الدولية، مكتب العمل الدولي، جنيف، مجلد رقم (137)، 1998م، ص 395.




أحدث المقالات:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى