

خليفة بن سيف الحوسني
رئيس قسم البرامج والتوعية القانونية
الاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان
يُعد قطاع الإنشاءات من أهم روافد التنمية الاقتصادية والعمرانية، غير أنه في الوقت نفسه يُعد من أكثر ميادين العمل خطورة وتعقيدًا من حيث طبيعة المخاطر التي تحيط بالعامل، سواء تلك التي تنشأ بصورة فجائية في شكل حوادث، أو تلك التي تتسلل تدريجيًا في صورة أمراض مهنية كامنة([1])، وعليه فإن تناول موضوع السلامة والصحة المهنية في هذا القطاع لا يمكن أن ينفصل عن الإطار القانوني الذي ينظم إصابات العمل والأمراض المهنية؛ إذ يشكل هذا الإطار الضمانة الأساسية لتحقيق التوازن بين مقتضيات الإنتاج وضرورات حماية العنصر البشري.
الإطار القانوني للسلامة والصحة المهنية
من يطالع البناء التشريعي في سلطنة عُمان، يلمس ذلك الجهد المتراكم الذي يبذله المشرع في سبيل إحاطة الحياة الاقتصادية والاجتماعية بسياجٍ من التنظيم القانوني الرصين؛ بحيث لا تترك حركة السوق على ما فيها من حيوية، دون ضوابط تكفل تحقيق التوازن بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، ومن ثم لم يكن تدخل المشرّع في مجال العمل، وبالأخص في موضوع السلامة والصحة المهنية، تدخلًا عارضًا أو مرحليًا، بل هو امتداد لفلسفة دستورية راسخة عبّر عنها النظام الأساسي للدولة، حين قرر أن العمل ليس وسيلة للكسب فحسب، بل قيمة إنسانية ذات أبعاد أخلاقية واجتماعية، وأن حمايته – وتشمل ضمان شروط السلامة والصحة المهنية – واجب على عاتق الدولة، وهو ما يكشف عن انتقال الفكر القانوني من مرحلة تنظيم العمل إلى مرحلة حماية الإنسان العامل([2]).
التحول الاقتصادي واتساع مخاطر العمل في قطاع الإنشاءات
ولعل هذا التحوَّل يجد مسوغًا في طبيعة المرحلة الاقتصادية التي تمر بها سلطنة عُمان؛ إذ تسعى في إطار رؤية عُمان 2040، إلى إعادة تشكيل بنية الاقتصاد الوطني على أسس من التنويع والاستدامة؛ بحيث يصبح القطاع الخاص -وفي مقدمته قطاع الإنشاءات- محركًا للنمو، ومجالًا للاستيعاب الأكبر لتشغيل القوى العاملة العمانية، وهو ما أكدته توجهات الخطة الخمسية الحادية عشرة التي جعلت هذا القطاع في مرتبة متقدمة من حيث خلق فرص العمل، غير أن هذا الاتساع الكمي يقابله في الغالب هشاشة نوعية في تركيبة القوى العاملة؛ إذ يغلب عليها الطابع المهاري المحدود، فضلًا عن اعتمادها الكبير على القوى العاملة غير العمانية، وهو ما يضاعف من احتمالية التعرض للمخاطر المهنية، ويجعل قضية السلامة والصحة المهنية مسألة تتجاوز البعد الفني إلى بعد اجتماعي عميق.
إن قطاع الإنشاءات ظل تاريخيًا المجال الأكثر استقطابًا للحوادث المهنية، حتى غدا في سياق منظمة العمل الدولية نموذجًا للاقتصاد الخطِر
الحوادث المهنية في قطاع الإنشاءات
إذا رجعنا إلى الأدبيات الفقهية المقارنة، نجد أن قطاع الإنشاءات ظل تاريخيًا المجال الأكثر استقطابًا للحوادث المهنية، حتى غدا في سياق منظمة العمل الدولية نموذجًا للاقتصاد الخطِر؛ إذ تشير التقارير الدولية إلى أن نسبة غير يسيرة من الوفَيات المهنية عالميًا تقع في هذا القطاع، وأن أسبابها تتوزع بين السقوط من الارتفاعات، والانهيارات، والتعرض للآلات، والإجهاد الحراري، وهي أسباب تعكس في جوهرها قصورًا في منظومة الوقاية أكثر مما تعكس حتمية الخطر نفسه.
التطور التشريعي والمسؤولية المشتركة في السلامة والصحة المهنية
أما في السياق المحلي، فإن البيانات الصادرة عن وزارة العمل وصندوق الحماية الاجتماعية تؤكد أن قطاع الإنشاءات يحتل موقعًا متقدمًا في سلم الإصابات المهنية، وهو ما يفرض قراءة فقهية، لا تكتفي بوصف الظاهرة، بل تسعى إلى تفكيك بنيتها القانونية والواقعية، وفي هذا الإطار، ينهض قانون العمل العماني، رقم (53/2023)([3]) بدور محوري في تنظيم أحكام السلامة والصحة المهنية؛ إذ لم يعد يكتفي بإيراد قواعد عامة، بل اتجه إلى إرساء التزامات محددة على عاتق صاحب العمل، تقابلها التزامات على العامل، وسلطات رقابية للإدارة، وهو ما يعكس تبني المشرّع لنظرية المسؤولية المشتركة في إدارة المخاطر المهنية؛ فصاحب العمل ملزم بتوفير:
1. بيئة عمل آمنة.
2. تزويد العمال بوسائل الوقاية وتدريبهم على استخدامها.
3. عدم تشغيل العمال في الظروف الخطرة.
في حين يلتزم العامل باستخدام:
- سائل الحماية.
- الامتثال للتعليمات.
- عدم تعريض نفسه أو غيره للخطر.
الإجهاد الحراري نموذجا بين النص القانوني والتطبيق العملي
ومن أبرز التطبيقات التي تجسد تفاعل القانون مع الواقع البيئي، أحكام البند رقم (3) من المادة (16) من لائحة السلامة والصحة المهنية، والذي يشير إلى عدم تشغيل العمال في المواقع الإنشائية أو الأماكن المكشوفة ذات الحرارة المرتفعة في أوقات الظهيرة، طوال أشهر يونيو ويوليو وأغسطس من كل عام ([4])، وهي أحكام تجسد في حقيقتها انتقال النظام القانوني من منطق التعويض إلى منطق الوقاية؛ إذ يستهدف الحد من مخاطر الإجهاد الحراري، التي تعد من أخطر التهديدات في بيئة العمل الإنشائي في المناطق الحارة، غير أن بعض الممارسة العملية تكشف عن فجوة بين النص والتطبيق؛ إذ تسجل أجهزة التفتيش مخالفات تتعلق بعدم الالتزام بأوقات الحظر، أو الامتثال التام بها، أو عدم توفير وسائل الوقاية الكافية، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا بشأن فعالية الرقابة.
كيف تطوّر مفهوم الحماية القانونية في مجال إصابات العمل والأمراض المهنية؟
جاء التنظيم القانوني لإصابات العمل والأمراض المهنية([5]) ليعكس تصورًا حديثًا لمفهوم الحماية؛ إذ لم يعد هذا المفهوم مقتصرًا على التعويض اللاحق للضرر فحسب، بل امتد ليشمل الوقاية المسبقة من المخاطر، وهو ما يتجلى بوضوح في اتساع مفهوم إصابة العمل ليشمل كل إصابة تقع في أثناء العمل أو بسببه، فضلًا عن الأمراض المهنية التي تنشأ نتيجة التعرض المستمر لعوامل ضارة في بيئة العمل، وهذا التوسع في المفهوم يُعد استجابة واقعية لطبيعة المخاطر في قطاع الإنشاءات؛ إذ يصعب في كثير من الأحيان الفصل بين الحادث العرضي والضرر التراكمي الناتج عن ظروف العمل، ولا ريب أن إدراج الأمراض المهنية ضمن نطاق إصابات العمل يمثل تطورًا تشريعيًا بالغ الأهمية؛ إذ يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة العلاقة السببية بين بيئة العمل وصحة العامل، غير أن هذا الإدراج لم يكن مطلقًا، بل قُيّد بضوابط دقيقة تضمن الجدية والانضباط، من أبرزها ضرورة وجود تشخيص طبي ثابت، وتطابق الأعراض مع المعايير الطبية المعترف بها، وثبوت التعرض الفعلي لعوامل الخطر في بيئة العمل، فضلًا عن تحقق التتابع الزمني بين التعرض وظهور المرض، وهي شروط -وإن بدت في ظاهرها قيودًا- تمثل ضمانة مزدوجة، تحمي العامل من التعسف وتحمي النظام القانوني من الادعاءات غير المستندة إلى أساس علمي.
التأطير القانوني لحالات الإجهاد والإرهاق
يتمثل التوجه التشريعي الحديث في تصنيف حالات الإجهاد والإرهاق ضمن إصابات عمل متى توافرت علاقة سببية مباشرة بينها وبين طبيعة العمل، وكان لها تأثير سلبي واضح على الأداء الوظيفي، خاصة إذا اقترنت بساعات عمل طويلة أو غير منتظمة وغياب التدابير الوقائية، ويكتسب هذا الاتجاه أهمية خاصة في قطاع الإنشاءات، حيث تتسم بيئة العمل بظروف مناخية قاسية وضغوط بدنية مستمرة؛ الأمر الذي يجعل الإرهاق عاملًا خفيًا قد يؤدي إلى وقوع حوادث جسيمة، ومن ثَم فإن اعتباره إصابةَ عمل يمثل خطوة متقدمة نحو حماية العامل في بعده الإنساني الشامل.
إن نظام التعويض عن إصابات العمل يشكل الوجه الآخر لمنظومة الحماية؛ إذ يقر القانون بحق العامل في التعويض، من خلال التأمين أو صندوق الحماية الاجتماعية، غير أن التحديات العملية تكمن في بطء الإجراءات، أو صعوبة الإثبات، أو عدم شمول بعض الحالات، وهو ما يقتضي تجويد هذا النظام ليصبح أكثر مرونة
تحديات التفتيش والرقابة في قطاع الإنشاءات
إنّ اتساع رقعة المشاريع الإنشائية، وتعدد مواقعها، يقابله في كثير من الأحيان محدودية نسبية في عدد المفتشين أو في تخصصهم النوعي؛ الأمر الذي يضعف القدرة على الرقابة الشاملة، ومن ثَم فإن الاتجاه الحديث يدعو إلى تبني نموذج التفتيش النوعي، الذي يقوم على تخصيص مفتشين لقطاعات معينة؛ بحيث يمتلكون معرفة فنية دقيقة بطبيعة المخاطر فيها، وهو ما يمكن أن يعزز من فعالية الرقابة في قطاع الإنشاءات.
مسؤولية توعية العمال
لا يقف التحدي في منظومة السلامة والصحة المهنية عند حدود الرقابة الرسمية، بل يمتد إلى البنية المعرفية للقوى العاملة؛ إذ يشكل الاعتماد الكبير على القوى العاملة غير العمانية التي قد تفتقر إلى الوعي القانوني أو تخشى الإبلاغ عن المخالفات، عائقًا أمام تفعيل النصوص القانونية، وهو ما يستدعي تبني سياسات توعوية متعددة اللغات، وإنشاء قنوات آمنة لتلقي الشكاوى، تكفل حماية العامل من أي إجراء تعسفي، ومن زاوية أخرى، فإن مفهوم السلامة والصحة المهنية لم يعد مقتصرًا على الوقاية من الإصابات الجسدية، بل اتسع ليشمل الصحة النفسية وظروف العمل، باعتبار أن الضغوط النفسية، وسوء التنظيم، وساعات العمل الطويلة، قد تساهم بصورة غير مباشرة في وقوع الحوادث، وهو بعدٌ لا يزال بحاجة إلى مزيد من التأصيل في التشريع العماني.
نظام التعويض ودور النقابات العمالية في منظومة السلامة المهنية
إن نظام التعويض عن إصابات العمل يشكل الوجه الآخر لمنظومة الحماية؛ إذ يقر القانون بحق العامل في التعويض، من خلال التأمين أو صندوق الحماية الاجتماعية، غير أن التحديات العملية تكمن في بطء الإجراءات، أو صعوبة الإثبات، أو عدم شمول بعض الحالات، وهو ما يقتضي تجويد هذا النظام ليصبح أكثر مرونة، وفي ظل هذه المعطيات، يبرز دور النقابات العمالية الحيوي في منظومة السلامة([6])؛ إذ غدت شريكًا في إدارة المخاطر المهنية، وهو ما يتسق مع المنهجية التي ارساها المشرّع منذ الاعتراف بالعمل النقابي؛ إذ منح النقابات صلاحيات تشمل رفع مستوى السلامة، وتقديم الشكاوى، والمشاركة في التوعية والتدريب.
وتتجلى أهمية هذا الدور في أن النقابة تمثل عين الرقيب والضمير الحي داخل المنشأة؛ فهي الأقرب إلى العامل، والأقدر على رصد المخالفات، والأسرع في التفاعل معها، كما أن لها دورًا توعويًّا لا يقل أهمية عن دورها الرقابي؛ إذ تساهم في نشر ثقافة السلامة، وتصحيح السلوكيات الخاطئة، وتعزيز الالتزام بالتعليمات، وهذا الدور يتطلب من ناحيةٍ تمكين النقابات قانونيًا ومؤسسيًا، ومن ناحية أخرى تجويد قدراتها الفنية؛ بحيث لا تظل وسيطا شكليا فحسب، بل تتحول إلى شريك حقيقي في صنع بيئة عمل آمنة، وهو ما يقتضي إنشاء لجان متخصصة داخل النقابات، وتنظيم برامج تدريبية، والتعاون مع الجهات المختصة.
تكامل منظومة الحماية بين الوقاية والتعويض
إجمالًا، يمكن القول بأن العلاقة بين السلامة والصحة المهنية ولائحة إصابات العمل والأمراض المهنية هي علاقة تكامل لا انفصال؛ إذ تمثل السلامة والصحة المهنية خط الدفاع الوقائي، بينما تمثل لائحة إصابات العمل والأمراض المهنية شبكة الأمان التعويضية، وبينهما يتشكل نظام قانوني متوازن، يسعى إلى حماية العامل في بيئة عمل تتسم بالمخاطر، غير أن فعالية هذا النظام تظل رهينة بمدى الالتزام بتطبيقه، وبمدى وعي أطراف العلاقة الإنتاجية بأهميته؛ الأمر الذي يقتضي تعزيز آليات الرقابة، وتكثيف برامج التوعية، وربط الامتثال لمعايير السلامة بالحوافز، بما يكفل الانتقال من النصوص المجردة إلى واقع عملي يحقق الحماية المنشودة.
وإذا أردنا أن نستخلص رؤية تكاملية، فإننا نجد أن السلامة والصحة المهنية في قطاع الإنشاءات تمثل منظومة مركبة، تتداخل فيها عناصر القانون، والإدارة، والوعي، والاقتصاد، وأن أي خلل في أي من هذه العناصر ينعكس على المنظومة بأكملها، ومن ثَم، فإن المعالجة الفعّالة لا يمكن أن تكون جزئية، بل يجب أن تقوم على مقاربة شاملة، تجمع بين تحسين التشريعات، وتعزيز الرقابة، ونشر الوعي، وتفعيل دور النقابات، وتبني التكنولوجيا الحديثة، وعلى المستوى الشخصي، وفي خاتمة هذا التحليل، أرى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدم كفاية أحكام القانون، بل في كيفية تفعيلها، وأن الانتقال من قانون مكتوب إلى ثقافة مطبقة، هو الرهان الأكبر لجعل بيئة العمل في قطاع الإنشاءات مجالًا للأمان لا للخطر، وهو ما يشكل معيارًا حقيقيًا للتنمية المستدامة.
المراجع:
[1] كامل عباس الحلواني، تأمين إصابات العمل – دراسة مقارنة، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، كلية الحقوق، جامعة عين شمس، السنة العاشرة، العدد الأول، ص 215.
[2] نصّت المادة رقم (15) من النظام الأساسي للدولة، الصادر بالمرسوم السلطاني، رقم (6/2021) على أن: ” العمل حق وشرف، ولكل مواطن ممارسة العمل الذي يختاره لنفسه في حدود القانون، ولا يجوز إلزام أي مواطن بالعمل جبرا إلا بمقتضى قانون، ولأداء خدمة عامة، ولمدة محددة، وبمقابل عادل، وتسن الدولة القوانين التي تحمي العامل وصاحب العمل وتنظم العلاقة بينهما، وتوفر شروط الأمن والسلامة والصحة المهنية“.
[3] قانون العمل العماني، الصادر بالمرسوم السلطاني، رقم (53/2023) بتاريخ 7 محرم 1445ه، الموافق 25 يوليو 2023م، نشر في الجريدة الرسمية، رقم (1504)، الصادرة في 12 محرم 1445ه، الموافق 30 يوليو 2023م، وزارة العدل والشؤون القانونية، ص11.
[4] انظر: اللائحة التنظيمية لتدابير السلامة والصحة المهنية في المنشآت الخاضعة لقانون العمل، الصادرة بالقرار الوزاري، رقم (86/2008) وتعديلاتها، نشرت في الجريدة الرسمية، العدد رقم (866)، الصادر في 1 يوليو 2008.
[5] لائحة الإصابات والأمراض المهنية، الصادرة بالقرار الوزاري، رقم (1/2026)، نشرت في الجريدة الرسمية العدد رقم (1632)، الصادر في 19 يناير 2026.
[6] نصّت المادة رقم (108) من قانون العمل على أنه: ” يجوز للعمال أن يشكلوا فيما بينهم نقابة عمالية، تهدف إلى رعاية مصالحهم والدفاع عن حقوقهم، وتحسين أحوالهم المادية والاجتماعية وتمثيلهم في جميع الأمور المتعلقة بشؤونهم”.
أحدث المقالات:
- قطاع الإنشاءات… بين مخاطر العمل والحماية القانونية
- الوصايا العشر لدور إدارات الموارد البشرية في إرساء ضمانات متوازنة للعلاوة الدورية المرتبطة بالأداء
- هل سيحقق قرار تحديد الحد الأدنى للعلاوة الدورية مبتغاه؟
- أحكام تقييم أداء العامل، وَفقا لقانون العمل واللوائح والقرارات الصادرة تنفيذا له
- توفر العلاوة الدورية مسارًا متوقعًا وعادلًا لتطور الأجر، الذي يعد أحد الركائز الأساسية للعمل اللائق



