مقالات أخرى

الريادة الرقمية للإعلام النقابي: تعزيز الوعي وترسيخ الحضور



علياء بنت علي الجردانية

اختصاصي تدريب أول

الاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان


في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي من أكثر أدوات الاتصال تأثيرًا في تشكيل الرأي العام، وصناعة الوعي، وتعزيز الحوار الاجتماعي، وبناء جسور التواصل بين المؤسسات وجمهورها، ولم يعد دور هذه المنصات يقتصر على تداول الأخبار والمعلومات، بل شمل بناء الهوية المؤسسية، وإدارة السمعة، ونشر المعرفة، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وترسيخ ثقافة الشفافية، وصناعة التأثير الإيجابي في مختلف القضايا الاقتصادية والاجتماعية؛ وعليه لم يعد الإعلام النقابي نشاطًا تكميليًا أو وسيلةً لنقل الأخبار فحسب، بل أصبح أحد المرتكزات الأساسية لنجاح العمل النقابي، وأداة إستراتيجية لترسيخ الثقة بين النقابات العمالية وأصحاب العمل، وتعزيز الوعي بالحقوق والواجبات، ودعم الاستقرار المهني، والمساهمة في تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية.


وقد عزز المشرّع العماني هذا التوجه بإصدار القرار الوزاري، رقم (284/2026) بشأن نظام تشكيل وعمل وتسجيل النقابات العمالية والنقابات العامة القطاعية والاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان، الذي لم يقتصر على تنظيم البنية المؤسسية للعمل النقابي، وإنما أرسى إطارًا قانونيًا حديثًا، يعزز نشر الوعي النقابي، ورفع المستوى الثقافي والمهني للعمال، وترسيخ الحوار الاجتماعي، وتنمية مهارات الأعضاء النقابيين، مع التأكيد على المسؤولية القانونية في استخدام وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بما يحقق التوازن بين حرية التعبير ومتطلبات المصلحة العامة.


وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الفضاء الرقمي أصبح تبنّي النقابات العمالية لإستراتيجية إعلامية رقمية متكاملة ضرورة، تفرضها طبيعة البيئة الرقمية الحديثة، بما يكفل إيصال رسالتها إلى العمال بكفاءة واحترافية، وتعزيز حضورها المؤسسي، وبناء قنوات تواصل تفاعلية مع أعضائها، والمساهمة في نشر الثقافة القانونية والعمالية، ودعم الحوار البناء مع أصحاب العمل، بما ينعكس إيجابًا على استقرار علاقات العمل، ورفع الإنتاجية، وتعزيز بيئة العمل في منشآت القطاع الخاص، انسجامًا مع مستهدفات رؤية عمان 2040 في بناء اقتصاد تنافسي، قائم على الشراكة والمسؤولية والاستدامة.


ويُعد الإعلام أحد المرتكزات الأساسية في بناء العلاقات الإنسانية والمؤسسية؛ إذ يؤدي دورًا محوريًا في نقل المعلومات والمعارف والقيم والأفكار من خلال عملية اتصالية متكاملة تبدأ بالمرسل -فردًا كان أو مؤسسة- الذي يصوغ الرسالة الإعلامية، ثم ينقلها عبر الوسيلة المناسبة، سواء كانت تقليدية أو رقمية إلى الجمهور المستهدف، لتنتهي بالتغذية الراجعة التي تمثل استجابة المتلقين للرسالة الإعلامية، وتهدف هذه العملية إلى:

  • الإخبار
  • التثقيف والتوعية
  • الإقناع
  • بناء الاتجاهات الإيجابية
  • تعزيز السلوك المسؤول

 وقد شهد الإعلام تطورًا متدرجًا على المستوى العالمي، انتقل خلاله من الوسائل التقليدية المقروءة والمسموعة والمرئية إلى الإعلام الرقمي، القائم على الإنترنت والمنصات التفاعلية، وهو ما أتاح سرعة غير مسبوقة في تداول المعلومات، واتساعًا في نطاق انتشارها، وارتفاعًا في مستويات التفاعل بين المؤسسات وجمهورها؛ الأمر الذي مكّن المؤسسات المختلفة من تحقيق أهدافها الاتصالية بفعالية أكبر.

ويبرز الإعلام النقابي باعتباره أحد فروع الإعلام المتخصص الذي يُعنى بـ:

  • خدمة قضايا العمال.
  • نشر الثقافة القانونية والنقابية.
  • تعزيز الوعي بالحقوق والواجبات.
  • ترسيخ ثقافة الحوار الاجتماعي.
  • إبراز الدور التنموي الذي تؤديه النقابات العمالية في دعم الاستقرار المؤسسي وتحسين بيئة العمل.

ولا يقتصر دوره على تغطية الأخبار والفعاليات النقابية، وإنما يشمل:

  • بناء رأي عام واعٍ بقضايا العمل.
  • إبراز المبادرات والإنجازات.
  • نقل التجارب النقابية الناجحة.
  • تعزيز قيم المسؤولية والتعاون والشراكة بين أطراف الإنتاج، بما يساهم في ترسيخ الهوية المؤسسية للعمل النقابي.

 كما أن الإعلام النقابي لا يخدم النقابات وحدها، وإنما يمثل أداةً فاعلة لخدمة جميع العاملين في القطاع الخاص؛ إذ يساهم في تعريفهم بحقوقهم والتزاماتهم، وشرح التشريعات العمالية، ونشر ثقافة السلامة والصحة المهنية، وتعزيز مفاهيم الإنتاجية والانضباط في العمل، وتسليط الضوء على المبادرات الوطنية الهادفة إلى تطوير سوق العمل، بما يؤدي إلى رفع مستوى الوعي القانوني والمهني لدى العامل وصاحب العمل على حد سواء، ويعزز مناخ الثقة والتفاهم داخل بيئة العمل.


ومن جانب آخر، فإن الإعلام النقابي المسؤول يمثل شريكًا في التنمية الاقتصادية؛ لأنه يساهم في الحد من النزاعات العمالية من خلال نشر ثقافة الحوار، وتعزيز وسائل التسوية الودية، وتوضيح الحقوق والالتزامات القانونية؛ الأمر الذي ينعكس إيجابًا على استقرار المنشآت الخاصة، واستدامة الإنتاج، ورفع مستويات التنافسية، وتحقيق بيئة عمل جاذبة للاستثمار، وهو ما يتوافق مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تعزيز الشراكة بين أطراف الإنتاج.


ويظهر الدور الحاسم للمعرفة القانونية -بوجه خاص- في مجال المفاوضة الجماعية، التي تمثل القلب النابض للعمل النقابي المنظم؛ فليست المفاوضة صراع إرادات، ولا ساحة لاستعراض القوة العددية، وإنما هي عملية قانونية مركبة، لها مراحل وضوابط وآثار ملزمة، والنقابي الذي يستند في طرحه إلى نصوص قانونية واضحة، ويحسن توظيف المبادئ العامة لقانون العمل، يكون أقدر على تحقيق مكاسب حقيقية ومستدامة للعمال، دون الإضرار باستقرار المنشأة أو تجاوز حدود المشروعية، أما المفاوضة التي تدار بمنطق الشعارات أو الضغوط غير المنضبطة، فإنها غالبًا ما تنتهي إلى نتائج عكسية، تضعف المركز التفاوضي للعمال وتفتح الباب أمام النزاعات القضائية.

وعلى الرغم من الأهمية المتزايدة للإعلام النقابي، لا يزال يواجه عددًا من التحديات، يأتي في مقدمتها:

  • محدودية الموارد المالية.
  • نقص في الموارد البشرية الإعلامية المتخصصة.
  • ضعف الإمكانات التقنية.
  •  بالإضافة إلى المنافسة المتزايدة التي تفرضها البيئة الرقمية بما تتسم به من تدفق هائل للمعلومات، وتسارع في تداولها، وتغير مستمر في أنماط استهلاك الجمهور للمحتوى الإعلامي.

ويستدعي ذلك الاستثمار في بناء القدرات الإعلامية للكوادر النقابية، وتطوير مهاراتهم الرقمية، وتأهيلهم لإدارة المنصات الإلكترونية وفق أسس مهنية حديثة، بما يعزز من كفاءة الأداء الإعلامي للنقابات العمالية.


وتشير الإحصاءات المتعلقة باستخدام منصات التواصل الاجتماعي في سلطنة عُمان إلى اتساع نطاق انتشارها وارتفاع معدلات استخدامها بين أفراد المجتمع، بما يعكس مكانتها بوصفها إحدى أهم قنوات الاتصال الرقمي؛ فقد أوضحت الإحصائية الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات بالتعاون مع وزارة الإعلام للفترة (2023-2024) أن تطبيق واتساب جاء في المرتبة الأولى بنسبة استخدام بلغت (99%)، تلاه يوتيوب بنسبة (75%)، ثم انستجرام بنسبة (69%)، في حين بلغت نسبة استخدام فيسبوك (20%)، وتؤكد هذه المؤشرات أن البيئة الرقمية في سلطنة عُمان توفر للنقابات العمالية:

  • مساحة واسعة للتواصل مع جمهورها المستهدف.
  • نشر الرسائل التوعوية.
  • تعزيز الحوار مع العمال، واستطلاع آرائهم.
  • التفاعل مع مختلف القضايا المرتبطة ببيئة العمل، بما يساهم في ترسيخ حضورها وتعزيز دورها التوعوي والمجتمعي.

وإلى جانب هذه المنصات، تكتسب منصة أكس أهمية خاصة في المشهد الاتصالي العماني؛ إذ تُعد من أبرز المنصات التي تشهد نقاشات عامة وتفاعلًا ملحوظًا مع القضايا الوطنية والمهنية من خلال الوسوم (هاشتاج)، وقد أصبحت هذه الوسوم فضاءً لتبادل الآراء، وعرض القضايا العمالية، وإبرازها ضمن نطاق أوسع من النقاش المجتمعي؛ الأمر الذي يمنحها قدرة على لفت انتباه وسائل الإعلام والجهات ذات العلاقة وصناع القرار، ومن ثم فإن الإدارة الاحترافية للحضور النقابي على منصة أكس، من خلال طرح القضايا بلغة موضوعية تستند إلى الحقائق، والالتزام بالأطر القانونية والأخلاقية، يمكن أن تساهم في إيصال صوت العمال بصورة أكثر فاعلية، وتعزيز فرص إدراج القضايا العمالية ضمن أولويات النقاش العام، بما قد يساهم في دراستها من قبل الجهات المختصة واتخاذ ما تراه مناسبًا من إجراءات أو سياسات وفقًا للأطر التشريعية المعمول بها.


ولا تنفصل الممارسة الإعلامية النقابية عن الإطار القانوني المنظم للعمل الإعلامي والرقمي في سلطنة عُمان؛ إذ تضع التشريعات وفي مقدمتها قانون الإعلام، الصادر بالمرسوم السلطاني، رقم (58/2024)، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (61/2026)، الضوابط التي تكفل التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية؛ وعلى ذلك فإن التزام ممارسي الإعلام النقابي بهذه الأحكام يعزز مصداقية رسائلهم، ويحمي حقوق الأفراد، ويضمن ممارسة إعلامية مسؤولة تساهم في خدمة المجتمع وترسيخ الثقة في الخطاب الإعلامي.


وأرى على المستوى الشخصي، أن مستقبل العمل النقابي في سلطنة عُمان، وفي غيرها من الدول الساعية إلى تحديث تشريعاتها الاجتماعية، مرهون بمدى قدرة النقابات العمالية على بناء كوادر واعية بالإطار القانوني الوطني والدولي، وقدرتها على التوفيق بين الدفاع المشروع عن الحقوق والالتزام بقواعد النظام العام الاجتماعي، ولا ريب أن ترسيخ المعرفة القانونية في العمل النقابي، والاستئناس الواعي بمعايير منظمة العمل الدولية، يعدان ركنا أساسيا في هذا الصدد، وضمانا لبقاء النقابة العمالية قوةً إصلاحية فاعلة، تساهم في تحقيق العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي في آن واحد.

ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية الملقاة على عاتق النقابات العمالية عند استخدام منصات التواصل الاجتماعي لا تقتصر على إيصال الرسالة الإعلامية، وإنما تشمل:

  • الالتزام بالدقة في نقل المعلومات، والتحقق من مصادرها.
  • احترام خصوصية الآخرين.
  • الابتعاد عن تداول الشائعات أو إعادة نشر محتوى غير موثق.

مع الحرص على أن يكون الطرح موضوعيًا وبناءً، وأن تُناقش القضايا العمالية بأسلوب مهني يحترم الأطر القانونية، ويعكس الصورة الحضارية للعمل النقابي، كما ينبغي أن يتبنّى الإعلام النقابي خطابًا متوازنًا، يعزز ثقافة الحقوق مقرونةً بالواجبات، ويشجع على الالتزام بأخلاقيات العمل، واحترام بيئة العمل، وتعزيز قيم الإنتاج والإبداع والابتكار، بما يجعل منصات التواصل الاجتماعي وسيلة لنشر المعرفة القانونية، وتبادل الخبرات، وتكريم النماذج العمالية المتميزة، والتعريف بالمبادرات الوطنية، وتعزيز الانتماء المؤسسي لدى العاملين في القطاع الخاص.


وترتكز الإستراتيجية الفاعلة لإدارة منصات التواصل الاجتماعي للنقابة العمالية على مجموعة من الأسس العلمية، وهي:

  • تحديد هوية النقابة ورسالتها وقيمها.
  • تحليل جمهورها المستهدف واحتياجاته الاتصالية.
  • صياغة أهداف إستراتيجية واضحة وقابلة للقياس والتقييم.
  • بناء هوية تحريرية وبصرية متسقة تعكس شخصية النقابة وتعزز حضورها الرقمي.
  • إعداد خطة محتوى متوازنة، تتنوع بين المحتوى التوعوي، والتثقيفي، والإخباري، والتحليلي، والتفاعلي، مع تخصيص مساحة لشرح التشريعات العمالية، والإجابة عن استفسارات العمال المتكررة، وإبراز قصص النجاح، ونشر المبادرات المؤسسية.
  • وضع جدول زمني للنشر، وإدارة التفاعل مع الأعضاء النقابيين والجمهور، وتحديد مؤشرات الأداء وقياسها بصورة دورية، بما يضمن التطوير المستمر للمحتوى، ويعزز فاعلية الأداء الإعلامي والاتصالي للنقابات العمالية.

وتتطلب الإدارة الاحترافية لمنصات التواصل الاجتماعي كذلك توظيف الخصائص التقنية التي تتيحها كل منصة رقمية، والاستفادة من آليات عمل خوارزمياتها، من خلال الاستخدام الأمثل للوسائط المتعددة، والوسوم، والإشارة إلى الجهات ذات الصلة، وتشجيع المحتوى التفاعلي، فضلًا عن توظيف أدوات التحليل الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي في دراسة سلوك الجمهور، وتحسين جودة المحتوى، وتعزيز الوصول والتأثير، بما يساهم في رفع كفاءة الأداء الإعلامي للنقابة العمالية وتحقيق أهدافها الاتصالية.

وخلاصة القول، فإن نجاح الإعلام النقابي في البيئة الرقمية لم يعد مرهونًا بكثافة النشر أو سرعة تداول المعلومات، وإنما بقدرته على بناء خطاب إعلامي مهني وموثوق يستند إلى التخطيط الإستراتيجي، والمصداقية، والالتزام بالمعايير المهنية والضوابط القانونية والأخلاقية، وعندما تُدار منصات التواصل الاجتماعي وفق رؤية واضحة، فإنها تتحول من مجرد أدوات للنشر إلى منصات مؤثرة في بناء الوعي، وتعزيز الحوار الاجتماعي، ونشر الثقافة القانونية، والدفاع عن حقوق العمال، وإبراز واجباتهم، وتعزيز الشراكة بين العامل وصاحب العمل، وترسيخ المكانة المؤسسية للنقابات العمالية بوصفها شريكًا وطنيًا في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وداعمًا لاستقرار منشآت القطاع الخاص واستدامة نموها، بما يحقق المصلحة المشتركة لجميع أطراف الإنتاج.



أحدث المقالات:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى