مساحة دولية

الاتجار بالبشر والعمل الجبري – المفهوم، الممارسات، وأهم الاتفاقيات الصادرة عن منظمة العمل الدولية والأمم المتحدة

طارق بن موسى العزري، اختصاصي علاقات دولية، الاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان

كشف تقرير منظمة العمل الدولية في ٢٠١٦ أن أرباح الاتجار بالبشر على مستوى العالم تقدر بنحو ١٥٠ مليار دولار  سنويًّا، تمثل النسبة الأكبر منها من نشاط الاستغلال الجنسي لأغراض تجارية بنحو 99 مليار دولار، ونحو 51 مليارا تأتي من نشاط الاستغلال الاقتصادي الجبري في مجالات العمل المنزلي وقطاع الزراعة وأنشطة اقتصادية أخرى.

 إذن ما الاتجار بالبشر؟  وما أسبابه ودوافعه؟ وما علاقته بالعمل الجبري؟ وكيف يمكن للنقابات تفعيل أدواتها للحد من هذه الظاهرة؟

ذهب بروتوكول الأمم المتحدة إلى تعريف جريمة الاتجار بالبشر بأنها  (تجنيد أشخاص أو نقلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال،  ويشمل الاستغلال، كحدّ أدنى، استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي، أو السخرة أو الخدمة قسرًا، أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد أو نزع الأعضاء).

ومع تعدد أسباب هذه الجريمة المنظمة ودوافعها، إلا أنها في مجملها تجمع على أن الانفتاح الاقتصادي والتجاري الذي تشهده المجتمعات والاقتصادات، لا سيما الفقيرة منها، وغياب التشريع المنظم لتلك العمليات بما يحمي الفئات المستضعفة في المجتمع؛ مثل الأطفال والنساء هو أحد أهم الدوافع لممارستها. يليها التدهور المعيشي لدى كثير من شرائح المجتمع، ومعاناتها مع الفقر والعوز والحاجة، وتراجع الدخل وضعف القوة الشرائية التي أثرت بدورها في منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية، والوازع الديني، سواء على المجني عليهم في هذه الجريمة أم المخططين والمنفذين لها،  ثم كان لضعف دور الجهات الرسمية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني تأثيرٌ  كبـيرٌ في غياب الوعي لدى أفراد المجتمع بتداعيات هذه الجريمة ومخاطرها.

وتأخذنا المعطيات السابقة إلى التعرف على ماهية مظاهر  الإتجار بالبشر وعلاماته التي قد يتعرض لها الضحية، سواء أكان ذلك في بيئات العمل أم الحياة الاجتماعية المزدحمة، وتأتي في مقدمتها ما يلي:

  • يتصرف بناءً على وعود زائفة.
  • يتعرض للتهديد.
  • يتصرف بخضوع، وخوف، أو بحزن واكتئاب.
  • تم إجباره على العمل في ظروف غير إنسانية.
  • ضعف تواصل الضحية مع الأسرة والأصدقاء

العمل الجبري: المفهوم والجهود الدولية

ومما لا شك فيه أن بيئات العمل ليست بمنأى؛ فهي معرضة لمختلف أنماط الاتجار  بالبشر؛ إذ يعتبر العمل الجبري أحد الأنماط الأكثر شيوعًا وخطورة على المجتمعات  والاقتصادات؛  وذلك باستغلال حاجة  الإنسان للعمل  والكسب؛ إذ كشف تقرير منظمة العمل الدولية بأن عدد ضحايا الاتجار بالبشر في 2016 قد بلغ قرابة 25 مليون ضحية، منهم ١٦ مليون ضحية في القطاع الخاص؛ مثل العمل المنزلي والبناء  والزراعة؛  فيما عمل 5 ملايين (أي ١٦٪) في الجنسي  القسري،  وذكرت الدراسة أن ١٥٢ مليون طفل كانوا عرضة لعمل الأطفال، بمعدل ٣٨٪ في أعمال خطرة، ونحو ثلثي الأطفال بعمر 15-17 عامًا يعملون أكثر من 43 ساعة أسبوعيًّا.

ويقودنا ذلك إلى التعرف على الجهود الدولية الرامية إلى مكافحة الإتجار بالبشر عمومًا والعمل الجبري تحديدًا، أهمها الاتفاقية رقم (29) بشأن العمل الجبري  (عمل السخرة أو العمل القسري) التي أقرتها منظمة العمل الدولية في الدورة (14) لمؤتمر العمل الدولي المنعقد في عام 1930 والتي عرفت (العمل الجبري) على أنه: كافة الأعمال أو الخدمات التي تُفرض عنوة على أي شخص تحت التهديد بأي عقاب، والتي لا يكون هذا الشخص قد تطوع بأدائها بمحض اختياره.

 ويقصد بعبارة (الأعمال والخدمات)  في الفقرة السابقة بأنها: كافة أنوع الخدمات والأعمال في أي نشاط أو صناعة أو قطاع، بما فيها الاقتصاد غير المنظم. أما عبارة (التهديد بأي عقاب)؛ فهي: تلك العقوبات ومختلف أساليب الإكراه المباشر وغير المباشر؛ بما فيها العنف الجسدي أو التهديد النفسي أو الحرمان من الأجور وبقية الحقوق والمزايا.

كما جاء العديد من المعاهدات والاتفاقيات الأممية معززًا للعمل اللائق ومناهضًا للعمل الجبري، أهمها:

  • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (يحظر الإعلان العالمي الرق والعبودية، وأن للشخص الحرية في اختيار العمل).
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (تعترف الدول الأطراف في هذا العهد بالحق في العمل، الذي يشمل ما لكل شخص من حق في أن تتاح له إمكانية كسب رزقه بعمل يختاره أو يقبله بحرية، وتقوم باتخاذ تدابير مناسبة لصون هذا الحق،  ويجب أن تشمل التدابير التي تتخذها كل من الدول الأطراف في هذا العهد لتأمين الممارسة الكاملة لهذا الحق توفير برامج التوجيه والتدريب التقنيين والمهنيين، والأخذ في هذا المجال بسياسات وتقنيات من شأنها تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية مطردة، وعمالة كاملة ومنتجة في ظل شروط تضمن للفرد الحريات السياسية والاقتصادية الأساسية).
  • الاتفاقيتان رقما 87 و 98 بشأن الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية (اتفاقيتان تسهمان في الحيلولة/الحماية من أسباب العمل الجبري والاتجار والممارسات الشبيهة بالرق والعبودية، من خلال تنظيم العمال الذي يمكّنهم من المفاوضة والدفاع عن حقوقهم ومقاومة أوجه الإكراه والاستغلال).
  • الاتفاقيتان رقما 138 و 182 بشأن القضاء على عمل الأطفال (اتفاقيتان تحظران كافة أشكال الرق أو الممارسات الشبيهة بالرق؛ كبيع الأطفال والاتجار بهم، وعبودية الدين والعمل القسري أو الإجباري بما فيها التجنيد الجبري أو القسري للأطفال لاستخدمهم في الصراعات المسلحة).
  • اتفاقية رقم 189 بشأن العمال المنزليين (تدعو إلى اتخاذ التدابير اللازمة لاحترام  المبادئ والحقوق الأساسية في العمل وتعزيزها وتحقيقها بما في ذلك القضاء على سائر أشكال العمل الجبري أو الإلزامي).
  • اتفاقية رقم 143 بشأن العمال المهاجرين (تدعو  إلى اتخاذ التدابير اللازمة لمنع انتقال المهاجرين بالطرق السرية في ظروف تعسفية).

إجمالا، تصنف لجنة الخبراء التابعة لمنظمة العمل الدولية العمل على أنه جبري وقسري في حال اكتمال توافر العناصر الثلاثة التالية مجتمعة: (العمل أو الخدمة، والعقوبة أو التهديد، وألا يكون العامل قد تطوع بكامل إرادته)، وغالبًا ما تشيع ممارسات العمل الجبري في الأعمال والخدمات المرتبطة بقطاع الزراعة وقطاع الإنشاءات وكذلك العمل المنزلي.

في حين أن الاتفاقية رقم ٢٩ قد استثنت بعض الأعمال والممارسات من كونها عملًا جبريًّا (وفق ضوابط وإشراف)، مثل: الأعمال التي تُفرض بمقتضى قانون الخدمة العسكرية، أو الأعمال التي تُفرض بناء على إدانة قضائية، أو عمل في حالات الطوارئ القاهرة؛ مثل الحروب والفيضانات والزلازل والمجاعة.

دلائل العمل الجبري وعلاماته

ومع تتعدد القصص الدالة على ممارسات العمل الجبري التي قد يتعرض لها العامل أثناء التعيين والتوظيف أو حتى أثناء ممارسة العمل (بصفة غير اختيارية، فقط نتيجة لحاجته للعمل  والمال)؛  فيمكننا الإشارة إلى عدد من المحددات الإرشادية لكشف تلك  الممارسات؛  وبالتالي يجب البحث عما إذا كان العامل قد تعرض لأحد الأحداث التالية:

  • البيع لملكية الغير.
  • خطف بدني.
  • حجز في مكان العمل.
  • توريطه بمديونية (عبر تزوير الحسابات أو تضخيم الأسعار أو تخفيض قيمة السلع).
  • الاحتيال فيما يتعلق بظروف العمل.
  • حجز الوثائق أو الممتلكات ذات القيمة.
  • انتقام، أو عنف بدني، أو جنسي ضد العامل أو العائلة أو زملائه.
  • عقوبة مالية.
  • الفصل من العمل.
  • التجريد من الحقوق والمزايا.
  • الحرمان من الطعام أو المأوى أو من ضرورات أخرى.
  • نقله إلى ظروف عمل أشد قسوة.

جهود وموقف المشرع الوطني:

وعلى المستوى الوطني، فقد واكبت السلطنة متطلبات الانفتاح الاقتصادي والتجاري العالمي وما رافقه من تهديدات أمنية واجتماعية واقتصادية؛ إذ تأتي في مقدمتها توافر البنية التشريعية لحماية  كافة أطياف المجتمع من الإتجار بالبشر والعمل الجبري دون تمييز بين مواطن ووافد؛ إذ جاء المرسوم السلطاني رقم (١٢٦/٢٠٠٨) بإصدار قانون مكافحة الاتجار بالبشر  متضمنًا ٢٣ مادة لتشمل كافة أبعاد جريمة الإتجار بالبشر من مفاهيم وجزاءات  ومهام؛ إذ نصت المادة (٢٢) من ذات القانون على إنشاء لجنة وطنية تسمى (اللجنة الوطنية لمكافحة الإتجار بالبشر) تُعنى بوضع الخطط وتنفيذ الآليات اللازمة للحد من جرائم الاتجار بالبشر، ومعالجة مختلف أسبابها؛  إذ تتكون اللجنة من عدة جهات وطنية من بينها الاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان.

وإلى جانب مصادقة السلطنة على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم ٢٩ بشأن العمل  الجبري؛  فقد صادقت كذلك على الاتفاقية رقم ١٠٥ بشأن إلغاء العمل الجبري. بالإضافة إلى الاتفاقيتين رقمي (138 و 182) بشأن القضاء على عمل  الأطفال؛ وذلك في سبيل تعزيز الحماية للأطفال من جرائم الاستغلال في العمل وحفظ حقوقهم.

كما أسفر التعديل الأخير على قانون إقامة الأجانب للمادة (١١) عن إلغاء (شرط شهادة عدم ممانعة) (إذ  كانت شرطا إلزاميا للعامل غير العماني الذي يرغب في الانتقال للعمل من صاحب عمل إلى آخر)؛ وذلك بالتزامن مع انضمام السلطنة إلى  (العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)  للأمم المتحدة. ومن المؤمل أن تحقق هذه الخطوة جملة من المكاسب الحقوقية والتنظيمية في سوق العمل، من بينها: تنظيم العلاقات التعاقدية بين أصحاب العمل والعمال، بما يضمن حقوق وواجبات الطرفين،  وتعزيز تنافسية العامل العماني مقارنة بالعامل غير العماني من خلال خفض فجوة الأجور والحقوق بينهما، وخفض حالات هروب العمالة غير العمانية، والمساهمة في الحد من الممارسات المرتبطة في الاتجار بالبشر. فيما ذهبت المادة (٣ مكرر) من قانون العمل إلى حظر كافة أشكال العمل الجبري والقسري.

وباعتبار أن النقابات العمالية هي أحد أهم الأدوات الفاعلة في تعزيز العمل اللائق والحد من أسباب ظاهرة العمل الجبري؛ فإن السلطنة قد كفلت حق التنظيمات النقابية في القطاع الخاص وفقًا للقرار الوزاري رقم (٥٠٠/٢٠١٨) بشأن نظام تشكيل وتسجيل وعمل النقابات العمالية والاتحادات العمالية والاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان (للعمال أن يشكلوا فيمــا بينهـــم نقابـــة عماليـــة، تهـــدف إلى رعايـــة مصالحهم والدفـــاع عن حقوقهم، وتمثيلهم فـي جميع الأمور المتعلقة بشؤونهم).

الدور المأمول للنقابات العمالية

وختامًا، وعلى الرغم من توافر الأطر التشريعية، إلا أن للنقابات العمالية دورًا محوريًّا ومهمًا في حماية بيئات العمل من أشكال العمل الجبري ومعالجة أضراره على أرض الواقع،  وتأتي في مقدمتها:

  • المبادرة بتثقيف العاملين بالمنشأة وتوعيتهم بمختلف الوسائل المتاحة بشأن أشكال العمل الجبري وخطورته.
  • التأكد من وضع كافة اللوائح والقوانين الوطنية موضع التنفيذ.
  • الحث على تضمين مبادئ العمل اللائق ضمن عقود أصحاب العمل مع الشركاء.
  • دعم عمليات التفتيش، عبر الرصد والإبلاغ عن المخالفات ذات الصلة، وكذلك المساهمة في رسم خارطة المهن والقطاعات المعرضة للإتجار بالبشر.
  • دعم الإستراتيجيات والدراسات الوطنية عبر الإدلاء بالمعلومات المطلوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى