مقالات أخرى

التلمذة الصناعية … آفاق واعدة لسوق العمل

اكتشف الإنسان أن العمل اليدوي يمكّنه من إشباع حاجاته ورغباته المتزايدة والمتنوعة مع الزمن، مما أدى إلى تطوره من المستوى البدائي إلى المستوى الحضاري، كما عرف الإنسان أن طريقة العمل لها علاقة وأثر في زيادة الإنتاج؛ مما جعله يسعى باستمرار إلى اكتشاف طرق ووسائل جديدة وبالتالي زيادة كفاءته وإنتاجه، زمه ظهور هذه الطرق الجديدة وُجَد أن من الأفراد من له القدرة على بعض الأعمال بصورة أحسن من غيرهم، وهنا توصل إلى فكرة التخصص في العمل ليس بالصورة التي نراها الآن، وتُعرّف التلمذة الصناعية بأنها تدريب العاملين على مهنة أو حرفة معينة من خلال أساليب التدريب المختلفة والتي تتضمن التدريب على رأس العمل والتدريب في البيئة المدرسية، كما أن منظمة العمل الدولية وضعت تعريفًا دقيقًا للتلمذة الصناعية وعرّفتها بأنها:” تدريب نظامي طويل الأجل على مهنة معترف بها، يتم أساسا داخل منشأة ما أو تحت إشراف حرفي مستقل، يحكمه عقد تلمذة صناعية مكتوب، ويخضع للمعايير المقررة، ويمكن لأنظمة التلمذة الصناعية أن تسهل عملية الانتقال من المدرسة إلى العمل من خلال اكتساب الشباب للخبرة في العمل وحصولهم على تدريب فنّي ومهني، كما أنها توفر للمتدرب فرصة لإظهار إمكانياته وقدراته الإنتاجية للشركات وأصحاب العمل” (1).

ونسبة للدور المحوري الذي تؤديه مراكز التدريب المهني باعتبارها شكلًا من أشكال التلمذة المهنية في سلطنة عمان، وتأسيسًا على رؤية عمان 2040 ضمن محور(التعليم والتعلم والبحث العلمي والقدرات الوطنية) (2)؛ فقد خطت السلطنة خطواتٍ متسارعة في تحديث منظومة التدريب المهني، وفقًا للتوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق (حفظه الله ورعاه) (3)، وفتح مسارات التعليم التقني والمهني، ورفع مستوى جودة التعليم بمختلف أنواعه، والعمل على مواءمة مخرجاته ليُلبي متطلبات سوق العمل العُماني ومستجيبًا للمتغيرات العالمية، والمساهمة في دفع مسيرة التنمية المستدامة، والنهوض بها من خلال بناء نظام تعليمي وتدريبي مهني عالي الجودة وفق أحدث المعايير محلية، ويُعنى بإكساب الأفراد مهارات عالية تساعدهم على دخول أسواق العمل وتحدياته المرتبطة بالثورة الصناعية الرابعة، والاستفادة من الكوادر الوطنية ذات القدرات والمهارات في المنافسة محليا وإقليميا؛ وذلك يتحقق بإشراك جميع الجهات المعنية بالتعليم والتدريب وجميع مؤسسات التعليم والتدريب في القطاعين الحكومي والخاص والمعنيين بقطاع التعليم والتدريب المهني بالسلطنة لتطوير إطار وطني موحد للتلمذة الصناعية.

ولا تقتصر أهمية برامج التلمذة الصناعية فقط على التعليم أو التدريب بالنسبة للمتدربين، ولكن تعد  مدخلًا للحياة العملية من خلال تعريف الأفراد بالصناعات والأجهزة التكنولوجية الحديثة والأساسيات المرتبطة بها؛ إذ تقدم العديد من المزايا للمتدربين العاملين، ومنها: التعليم التخصصي، صقل الخبرة العملية والعلمية، العمل الاحترافي المهني، تكوين علاقة جيدة ومتينة مع أصحاب العمل، وأيضا ترفد الشركات وأصحاب العمل  بالقوى العاملة الماهرة المؤهلة تأهيلا عاليا، وتتمتع بالجودة والخبرة في مجالات العمل المطلوبة، وتكمن أهميتها بالنسبة لمنشآت القطاع الخاص من خلال تقديم تدريب متخصص حسب متطلبات سوق العمل، وإيجاد قوى عاملة، تتميز بالولاء للمهنة التي تعمل بها، وفهم المهارات المطلوبة، وتنميتها بالشكل المطلوب، وتقديم أفكار جديدة لحل المشكلات المتعلقة بالقوى  العاملة.

تجدر الإشارة أن التوجه العالمي الآن أصبح يركز على المهارات والابتكار وجودة المخرجات الفنية، ولا يقتصر على المعرفة والتلقين فقط التي يمكن اكتسابها، ومن هذا المنطلق فإننا نشجع جميع القائمين على التدريب على رأس العمل من أصحاب العمل وجميع مؤسسات القطاع الخاص المهتمين بتطوير رأس المال البشري لديها بأن تبذل كافة الجهود الرامية إلى تعزيز التلمذة الصناعية في بيئة العمل؛ وذلك بإشراك النقابات العمالية والعمال لديهم لتعزيز الحوار الاجتماعي ولإتاحة الفرصة للعمال؛ لكي يصبحوا شركاء في عملية رسم برامج التلمذة الصناعية، وصياغتها بالشكل الجيد، وحتى تحقق التلمذة الصناعية أهدافها المأمولة منها كاملة، لا بد من تحقق أمور عدة، أهمها: ربط سلطنة عمان عالميا وإقليميا بالمعايير الدولية وذلك بإعداد إطار وطني في مجال التلمذة الصناعية وتحديث نظام قياس المهارات والاختبارات المهنية، تحديد مصادر لتمويل برامج التلمذة المهنية، إيجاد تشريعات وإطار لحوكمة برامج التلمذة الصناعية أو ما يعرف بعقد التلمذة الصناعية يحفظ بشكل متوان حقوق الأطراف، استحداث برامج تدريبية مهنية ومهارية تستجيب لمتطلبات سوق العمل، والعمل على توفير الآلات والمعدات الحديثة اللازمة لتدريب الطالب أو العامل داخل مؤسسات التدريب المهني، وداخل بيئات العمل المختلفة مع توافر الشروط الفنية لذلك بجانب شروط السلامة والصحة المهنية.

ومع تزايد معدلات أعداد الباحثين عن عمل؛ نتيجة شح الفرص الوظيفية في جميع القطاعات بدول العالم؛ ونظرًا للظروف الاقتصادية التي اجتاحت معظم دول العالم، ولعدم وجود تطابق المهارات، ونقص فرص العمل للشباب حول العالم، أصبح هناك اعتراف متزايد بالدور الرئيسي الذي يمكن أن تقوم به التلمذة الصناعية في تمكين الشباب من اكتساب الكفاءات والخبرات المناسبة لتسهيل انتقالهم من عالم التعليم إلى عالم العمل، وبناءً على ذلك طلب مجلس إدارة منظمة العمل الدولية في دورته الـ 334 في أكتوبر – نوفمبر 2018 من المكتب إدراج بند لوضع معيار بشأن التلمذة الصناعية في جدول أعمال الدورة الـ 110 لمؤتمر العمل الدولي لعام  2022؛ إذ أصدرت منظمة العمل الدولية  مؤخرًا التقرير الخاص، والذي جاء بعنوان (إطار من أجل التلمذة الصناعية الجيدة) (4)؛ إذ يجمع التقرير ويحلل ويقدم معلومات عن حالة القانون والممارسة فيما يتعلق بنُظم التلمذة الصناعية في البلدان في جميع أنحاء العالم بناءً على استبيان بشأن إطار التلمذة الصناعية الجيدة  الذي تم إرساله لجمع التوصيات، وآراء الهيئات المكونة لمنظمة العمل الدولي؛  إذ إنه من الممكن التطبيق أو الاعتماد لمقترح التوجه نحو اعتماد معيار عمل دولي جديد أو معايير عمل دولية جديدة بشأن التلمذة الصناعية؛ وذلك بسبب أهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به التلمذة الصناعية الجيدة في تسهيل الانتقال من المدرسة إلى العمل، والانتقال بين الوظائف، وتوفير فرص التعلم المتواصل لأشخاص من جميع الأعمار، وتعزيز قابليتهم للاستخدام، وتحسين نوعية   نظم التدريب وكفاءتها وجدواها في تلبية  حاجات سوق العمل، والمساهمة في تحسين إنتاجيتها، وكذلك ضمان ظروف عمل وحماية مناسبة للمتتلمذين والمتدربين في مكان العمل بما يتعلق بظروف عمل أساسية معينة، بما فيها الأجور العادلة، وساعات العمل والعطل، والإجازات المدفوعة الأجر، والحماية من بيئات العمل الخطرة، وإصابات العمل، والتمييز، والعنف، والتحرش.

إن التطبيق الجيد لبرامج التلمذة الصناعية تؤدي لخلق فرص عمل مستدامة وطويلة الأمد، وتزيد فرص توظيف الشباب، وفي الختام نود أن نطرح بعض التوصيات والمقترحات التي من المناسب الأخذ بها لتحقيق تلمذةٍ صناعيةٍ ومهنيةٍ ذات آفاق مستقبلية واعدة لسوق العمل بالسلطنة وفق الآتي:

  • إجراء دراسة حول المعوقات التي تواجه التخطيط الاستراتيجي للتلمذة الصناعية والمهنية وتحد من كفاءتها.
  • رصد حاجات سوق العمل ومتطلباته، وترجمتها إلى منتجات معرفية تهدف إلى مواءمة مخرجات التعليم والتدريب.
  • استطلاع دور القطاع الخاص في تنويع مصادر التمويل لبرامج التلمذة الصناعية والتدريب المهني.
  • وضع إستراتيجيات وخطط طموحة نحو المستقبل من خلال المبادرات القائمة على التلمذة الصناعية والتدريب المهني.
  • التعرف على أهم المستجدات والتحديات التي تواجه التلمذة الصناعية في العالم وسبل دعم المتعلمين والمتدربين، والاستفادة من تجارب رواد التلمذة الصناعية وخبراتهم في العالم في دول، مثل:  ألمانيا وهولندا وأستراليا، ويمكن الاطلاع والاستفادة من مؤشرات تقارير التنافسية العالمي، والاعتماد عليها في تقييم التدريب المهني.
  • توفير قدرٍ وافٍ من التدريب العملي للطلاب داخل المدارس ضمن أحدث المنظومات والمعايير العالمية، والحرص على اكتساب المدربين المهارات والمعرفة اللازمة للعمل بشكل فعال مع الطلاب، والاهتمام بجانب التفكير النقدي والإبداعي للطلاب لتخريجهم عمالا وحرفيين مهرة في مختلف المهن الفنية.

———————————————————————————————

  1. منظمة العمل الدولية، التوصية رقم (117) بشأن التدريب المهني، ويمكن الاطلاع على تفاصيلها عبر مكتبة حقوق الإنسان، جامعة منيسوتا، عبر الرابط: (http://hrlibrary.umn.edu/arabic/ilo.html).
  2. رؤية عمان 2040، وثيقة الرؤية، ص17.
  3. ” إن الاهتمام بقطاع التعليم بمختلف أنواعه ومستوياته وتوفير البيئة الداعمة والمحفزة للبحث العلمي والابتكار سوف يكون في سلم أولوياتنا الوطنية وسنمده بكافة أسباب التمكين باعتباره الأساس الذي من خلاله سيتمكن أبناؤنا من الإسهام في بناء متطلبات المرحلة المقبلة”، من خطاب حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، في 23 فبراير 2020.
  4. إطار من أجل التلمذة الصناعية الجيدة، إصدارات منظمة العمل الدولية، الدورة رقم (110) – 2021، يمكن قراءته تفصيلًا عبر موقع المنظمة من خلال الرابط: (https://www.ilo.org/beirut/lang–ar/index.htm).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى