

خالصة بنت ناصر الرحبية
أخصائي إعلام، صندوق الحماية الاجتماعية
في إطار تعزيز الحماية الاجتماعية للعمال، يوفر نظام التأمين ضد إصابات العمل والأمراض المهنية مظلة أمان، تضمن تعويض المؤمن عليه عند تعرضه لإصابة أو مرض مرتبط بطبيعة عمله، ويغطي هذا النظام مخاطر الإصابة في العمل أو الأمراض المرتبطة بالمهنة؛ بحيث يُصرف للمصاب مستحقات تأمينية لتغطية انقطاع الدخل أو توقفه بسبب الإصابة، بما يساهم في تحقيق الأمان والاستقرار المعيشي للمؤمن عليه وأسرته، وتتنوع هذه المستحقات بين بدلات يومية خلال فترة التوقف عن العمل، وتعويضات أو معاشات تُحدد وفق نسبة العجز المقدرة من الجهة المختصة، وتتدرّج هذه المستحقات بحسب نسبة العجز الناتجة عن الإصابة؛ إذ تُصرف بدلات يومية طَوال فترة انقطاع المصاب عن العمل بسبب الإصابة إلى حين ثبوت عجزه الجزئي أو الكلي، كما يمنح البرنامج تعويضًا أو معاشًا – بحسب نسبة العجز – لحالات العجز الجزئي والدائم.
تعريف إصابة العمل واتساع نطاقها
وتعد إصابة العمل أي إصابة نتجت عن حادث وقع للمؤمن عليه في أثناء العمل أو بسببه، ويشتمل مفهوم إصابة العمل على الحوادث الطارئة التي تقع للمؤمن عليه في أثناء العمل، أو الناتجة عن ظروف العمل أو بيئة العمل، ويعكس هذا التعريف توجهًا تشريعيًا واسعًا، يهدف إلى شمول مختلِف المخاطر التي قد يتعرض لها العامل في أثناء أداء مهامه.
أنواع إصابات العمل
تشمل إصابات العمل العديد من الحالات، أبرزها الأمراض المهنية المعتمدة الواردة في ملحق الأمراض المهنية (مرفق رقم 1)، وبعض الحالات الآتية:
- الإصابات الناتجة عن الإرهاق والإجهاد من العمل.
- حالات الانتكاسة أو مضاعفات لإصابة عمل سابق.
- الإصابات الناتجة عن حادث وقع للمؤمن عليه في أثناء العمل أو بسببه (حتى في مهام التكليف خارج أو داخل سلطنة عُمان)
- الإصابة التي ينتج عنها عجزًا كليًا أو وفاة من جراء الحوادث في الطريق (من محل الإقامة وإلى مقر العمل أو العكس)، ويشترط في حوادث الطريق أن يكون الذهاب مباشرة دون التوقف عند نقطة ما أو انحراف غير مبرر من محل الإقامة إلى مقر العمل او العكس، وأن يكون المسار الذي اتخذه المؤمن عليه المسار الطبيعي أو المعتاد أو المقبول، وأن يكون الانتقال بين النقطتين (الإقامة والعمل) ضمن الفترة الزمنية المعتادة لقطع المسافة.
ويشكّل تضمين الإجهاد والإرهاق باعتباره إصابة عمل خطوة متقدمة في حماية الصحة المهنية، غير أن ذلك يرتبط بتوافر الشروط الآتية:
أولا: أن تكون الإصابة الناتجة عن الإجهاد والإرهاق إصابة عمل في حال وجود علاقة سببية مباشرة بين الإجهاد والإرهاق التي أصيب بها المؤمن عليه وبيئة العمل.
ثانيا: وجود تأثير سلبي واضح على الأداء الوظيفي للمؤمن عليه، مع الاستناد لتقارير طبية موثوقة، وتكليف المؤمن عليه بساعات عمل طويلة أو غير منتظمة دون فترات استراحة أو لمدة مخالفة للقوانين والنظم المعمول بها في قانون العمل.
ثالثا: وجود قصور أو غياب التدابير الوقائية والإجراءات الاحترازية، وعليه يتم تشخيص حالات الإجهاد والإرهاق من قبل الأطباء ذوي الاختصاص بالأمراض المهنية.
تغطية واسعة مع استثناءات محددة
يُغطي فرع تأمين إصابات العمل والأمراض المهنية بشكل إلزامي جميع العُمانيين العاملين داخل سلطنة عُمان، ويشمل ذلك جميع أنواع العقود، ويشمل العقود المؤقتة وعقود التدريب والعاملين لبعض الوقت والعاملين المتقاعدين، وسيضم العمال غير العمانيين العاملين في سلطنة عمُان وفق ضوابط تنظيمية تُحدد مستقبلًا، إضافة إلى إمكانية شمول العاملين لحسابهم الخاص بقرارات لاحقة، كما يسري هذا الفرع على أعضاء مجلس عُمان والمجالس البلدية بضوابط محددة، وفي المقابل، لا تنطبق أحكام هذا النظام على العمانيين العاملين في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أو في الخارج.
شروط الاستحقاق بين الإثبات والمسؤولية
ولاستحقاق المؤمن عليه التعويضات عن إصابات العمل والأمراض المهنية يُــشترط أن تكون الإصابة أو المرض مرتبطة بشكل مباشر بالعمل وظروف المهنة، مع ضرورة إبلاغ جهة العمل والصندوق وجهات الاختصاص بالإصابة أو المرض، كما يتطلب الأمر إثبات نسبة العجز من خلال المؤسسات الصحية المرخصة ولجان التظلمات حسب الأحوال، ويشترط لصرف البدلات اليومية أو التعويضات عن العجز الجزئي أو الدائم ألا يكون المؤمن عليه تعمد إصابة نفسه، وألا تكون الإصابة حدثت بسبب انحراف متعمد في السلوك من الــمُصاب، في تأكيد على مبدأ التوازن بين الحقوق والواجبات.
إجراءات الإبلاغ مسؤولية مشتركة
كما تشكل سرعة الإبلاغ عن إصابات العمل عنصرًا حاسمًا في ضمان حقوق العامل؛ إذ يتعين على المؤمن عليه إبلاغ جهة العمل فور وقوع الإصابة أو التشخيص بالمرض المهني، بينما تلتزم جهة العمل بإخطار صندوق الحماية الاجتماعية خلال مدد زمنية محددة، وتقديم الإسعافات الأولية ونقل المصاب للعلاج، كما يتيح النظام للعامل الإبلاغ المباشر في حالات تأخر جهة العمل عن الإبلاغ أو امتناعها أو تعذر قيامها بواجبها، وهو ما يعزز من ضمانات الحماية، ويحد من أي محاولات لحرمان العامل من حقوقه.
وتتمثل إجراءات الإبلاغ عن إصابات العمل والأمراض المهنية، على المؤمن عليه إبلاغ جهة العمل مباشرة في يوم وقوع إصابة العمل نفسه أو التشخيص بالمرض المهني، متى ما كانت حالته الصحية تسمح بذلك، وتعتبر جهة العمل قد أبلغت في الأحوال الآتية:
- إذا توفي المؤمن عليه في مبنى تابع لجهة العمل او أي مكان يعمل فيه تحت إشراف جهة العمل.
- إذا عولج المؤمن عليه أو قُدمت إليه الإسعافات الأولية في مقر جهة العمل أو مكان تابع لها أو تحت إشرافها.
- إذا كانت جهة العمل قد أحيطت علمًا بالواقعة من أي مصدر.
وعلى جهة العمل إبلاغ الصندوق بوقوع إصابة العمل خلال أجل أقصاه خمسة أيام من تاريخ علمها بذلك، كذلك على جهة العمل القيام بالإسعافات الأولية اللازمة للمؤمن عليه المصاب قبل نقله إلى جهة العلاج المحددة بموجب وثيقة التأمين أو إلى أقرب مؤسسة صحية حكومية تقع في المنطقة التي تتبعها جهة العمل، وعلى جهة العمل إبلاغ الصندوق خلال أربعة عشر يومًا من تاريخ علمها بالإصابة بالمرض المهني أو الاشتباه به، ويجوز للمؤمن عليه إبلاغ الصندوق مباشرة عن إصابة العمل أو المرض المهني في الحالات الآتية:
- إذا تعذر على جهة العمل الإبلاغ بسبب انتهاء نشاطها أو صدور حكم بإشهار إفلاسها أو تصفيتها.
- امتناع جهة العمل عن الإبلاغ بعد علمها بإصابة المؤمن عليه.
- إذا لم تقم جهة العمل بالإبلاغ خلال ثلاثين يومًا من تاريخ إبلاغها من قبل المؤمن عليه أو من ينوب عنه أو المؤسسة العلاجية بإصابة العمل أو المرض المهني.

آليات التقديم وصرف المستحقات
في خطوة مهمة تعكس التوجه نحو التحول الرقمي، وتسهيل وصول المؤمن عليهم إلى حقوقهم دون تعقيدات وسلسلة إجراءات إدارية، يمكن لجهة العمل تقديم بلاغ الإصابة عبر الموقع الإلكتروني لصندوق الحماية الاجتماعية، مرفقًا بالتقارير الطبية اللازمة، وتكون طريقة تقديم الطلب عن طريق الدخول إلى الملف الشخصي في الموقع الإلكتروني الخاص بصندوق الحماية الاجتماعية، كما يتعين توفير المستندات التالية:
- رسالة توضيحية عن طبيعة عمل المؤمن عليه، وموقع العمل، وكيفية وقوع الحادث.
- كشوفات الحضور والانصراف (لشهر الإصابة).
- التقارير الطبية الأولية، مثل: (التقرير الطبي لأول زيارة للمستشفى بعد التعرض للإصابة).
- تقرير الشرطة (في حالات حوادث السير).
ويتم صرف بدل الإصابة بعد التحقق من ملابساتها، فيما تُصرف التعويضات أو المعاشات في حالات العجز أو الوفاة بناءً على طلب رسمي، وبدل الإصابة يتم صرفه مباشرة بعد التحقق من ظروف وقوع الإصابة وكذلك التعويض المقطوع، وفيما يتعلق بمعاش العجز الجزئي أو الكلي أو الوفاة ضرورة تقديم طلب الصرف عبر الموقع الإلكتروني أو مراجعة دوائر صندوق الحماية الاجتماعية بالمحافظات.

تحديات قائمة بين النص والتطبيق
رغم وضوح الإطار القانوني، لا تزال هناك بعض التحديات التي تواجه المؤمن عليهم من الحصول على حقوقهم، مثل تذبذب المعرفة بالإجراءات، أو تأخر الإبلاغ، أو تقاعس بعض جهات العمل، ويبرز هنا دور النقابات العمالية والجهات المعنية في تعزيز هذه المعرفة والنشر، وتعزيز الرقابة، وضمان التطبيق الفعّال للقوانين.
حماية الحقوق تبدأ من الوعي
تلتزم جهة العمل بالإبلاغ الفوري عن الإصابات والامراض المهنية، وتقديم الإسعافات الأولية ونقل المصاب إلى جهة العمل، والتعاون مع صندوق الحماية الاجتماعية بتقديم المستندات المطلوبة في التحقيق وكذلك المستندات المتعلقة بالإصابة، كما يجب أن تلتزم جهة العمل بأحكام مواد قانون الحماية الاجتماعية ولائحته التنفيذية وأحكام لائحة إصابات العمل والامراض المهنية.
كما يلتزم المؤمن عليه بإبلاغ جهة العمل/ المسؤولين فور وقوع الإصابة او التشخيص بالمرض المهني، والتأكد من تقديم جهة العمل لبلاغ الإصابة في صندوق الحماية الاجتماعية، والتعاون في تقديم المستندات المطلوبة في التحقيق منها المستندات الطبية.
ويمكن عرض المؤمن عليه على المؤسسة الصحية المرخصة بعد شفائه واستقرار حالته، لتحديد نسبة العجز ونوعه ودرجته الناتجة عن إصابة العمل أو المرض المهني، كما يجوز لصندوق الحماية الاجتماعية عرض المؤمن عليه المصاب على المؤسسة الصحية المرخصة لأول مرة خلال ثلاثة أشهر من تاريخ وقوع الإصابة، على أن تحدد المؤسسة الصحية المرخصة موعدًا للفحص الدوري القادم، ويجوز للمؤمن عليه طلب إعادة تقدير نسبة العجز بعد ثبوتها، بحسب المادة رقم (109) من قانون الحماية الاجتماعية التي تنص على “لكل من المؤمن عليه والصندوق وجهة العلاج طلب إعادة الفحص الطبي مرة كل ستة أشهر خلال العام الأول من تاريخ ثبوت العجز، ومرة كل عام خلال الأعوام الثلاثة التالية، وعلى المؤسسات الصحية المرخصة أو لجنة التظلمات الطبية بحسب الأحوال أن تقوم بإعادة فحص المؤمن عليه وتقدير درجة العجز في كل مرة، ولا يجوز إعادة التقدير بعد انتهاء أربعة أعوام من ثبوت العجز”.
ختامًا، يمثل فرع التأمين ضد إصابات العمل ركيزة أساسية في حماية المؤمن عليهم، إلا أن فعاليته تعتمد على وعي المؤمن عليه بحقوقه، والتزام جهة العمل بواجباتها، وتكامل الأدوار بين مختلف الجهات، وفي ظل التطورات المتسارعة في سوق العمل، تبقى الحاجة ملحّة لتعزيز ثقافة السلامة المهنية، وضمان بيئة عمل عادلة وآمنة للجميع.
أحدث المقالات:
- إصابات العمل والأمراض المهنية… حقــــوق العمال وآليـــات التعويض
- الأمان الوظيفي في عُمان… منظومة تتطور وواقع يختبر فاعليتها
- قطاع الإنشاءات… بين مخاطر العمل والحماية القانونية
- الوصايا العشر لدور إدارات الموارد البشرية في إرساء ضمانات متوازنة للعلاوة الدورية المرتبطة بالأداء
- هل سيحقق قرار تحديد الحد الأدنى للعلاوة الدورية مبتغاه؟



