مقالات أخرى

الوصايا العشر لدور إدارات الموارد البشرية في إرساء ضمانات متوازنة للعلاوة الدورية المرتبطة بالأداء

خليفة بن سيف الحوسني

رئيس قسم البرامج والتوعية القانونية

الاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان


لم يعد ربط الأجر بالأداء في تطور الفكر القانوني والإداري المعاصر مجرد أداة تحفيزية ذات بعد اقتصادي محدود، بل بات نظاما قانونيا مركبا، تتداخل فيه اعتبارات العدالة الاجتماعية، وحوكمة السلطة التقديرية، وحماية الحقوق المالية المتولدة عن علاقة العمل، واستدامة المنشآت، وهو تطور يعكس انتقال التشريع من منطق الزيادة الآلية إلى منطق الاستحقاق المرتبط بالقيمة المضافة، على نحو يوازن بين وكرامة العمل ومصلحة الإنتاج، ويأتي القرار الوزاري، رقم (317/2025) الصادر في شأن تحديد الحد الأدنى للعلاوة الدورية وتنظيم صرفها للعمانيين العاملين في القطاع الخاص تعبيرا تشريعيا واضحا عن هذا التحول؛ إذ أعاد تشكيل العلاوة الدورية من كونها زيادة شبه ثابتة إلى نظام متدرج محكوم بتقييم الأداء، غير أن هذا التحول على وجاهته، يثير تساؤلا فقهيًّا مشروعا حول الضمانات المؤسسية الكفيلة بمنع انحراف التقييم عن غايته، لا سيما وأن العلاوة الدورية تمثل حقا ماليا تراكميا، يؤثر في الأجر الأساسي وفي سائر الحقوق المرتبطة به.

وعليه فإن غاية هذه المقالة المختصرة، يتمثل في صياغة مجموعة من الوصايا العملية ذات الأساس القانوني والفقهي، تُعين إدارات الموارد البشرية على إرساء توازن دقيق بين وحقوق العامل ومتطلبات الكفاءة الإنتاجية، بما يحقق مقصد المشرّع دون إفراط يخل بالحماية، أو تفريط يفرغ التنظيم من مضمونه.

يجب أن تنطلق إدارات الموارد البشرية من التسليم بأن العلاوة الدورية، متى استقرت شروط استحقاقها، تُعد عنصرا من عناصر الأجر؛ وعليه تخضع لمبدأ الحماية القانونية للأجر، أما ربطها بالأداء فلا ينفي هذه الطبيعة، وإنما يُدخل عنصرا تقديريا في تحديد مقدارها، يقتضي إحاطته بضمانات موضوعية وإجرائية اتساقا مع مبادئ العدالة العقدية.

لم تعد إدارة الموارد البشرية وحدة تنفيذية محايدة، بل غدت فاعلا مؤسسيا يتحمل قسطا من المسؤولية القانونية عن مخرجات أنظمة التقييم، ومن ثم فإن أي خلل في منظومة تقييم الأداء لا يُعد خطأ فرديا معزولا، بل خللا في الحوكمة الداخلية يستوجب المعالجة المؤسسية.

يمثل وجود إطار مكتوب، معتمد ضمن لوائح العمل، ومتاح للعاملين بوضوح، حجر الزاوية في مشروعية التقييم؛ فالمعيار غير المكتوب يفتقر إلى الحجيّة، ويُضعف قدرة المنشأة على الدفاع عن قراراتها، كما يفتح المجال للتقدير المزاجي.

لا يكفي الاكتفاء بعناوين عامة كالكفاءة أو السلوك الوظيفي، بل يتعين تفكيكها إلى مؤشرات أداء قابلة للتحقق والقياس؛ بحيث يمكن لمقيّم مستقل أن يصل إلى النتيجة نفسها عند تطبيقها، أما المؤشرات الانطباعية؛ فبطبيعتها تُضعف مشروعية التقييم وتحد من قابليته للرقابة.

يُعد توحيد نماذج التقييم للوظائف المتماثلة ضمانة جوهرية للعدالة الداخلية؛ إذ لا يستقيم من منظور الحوكمة، إخضاع عمال يؤدون العمل نفسه لمعايير مختلفة دون مسوّغ موضوعي؛ فالشعور بعدم العدالة التنظيمية يُعد من أكثر العوامل تقويضا للالتزام المؤسسي.

من مقتضيات النزاهة التقديرية الفصل النسبي بين من يحدد أهداف الأداء ومن يتولى تقييم تحققها، أو على الأقل إخضاع التقييم لمراجعة داخلية جماعية للحد من التحيّز وتضارب المصالح، وضمان قدر أعلى من الموضوعية.

يجب أن يُنظر إلى التقييم بوصفه أداة تشخيص لا وسيلة عقاب، ومن ثم فإن توصيف الأداء بالقصور دون إرفاق مسار تطويري يُعد إخلالا بالتزام صاحب العمل بتنمية مهارات العامل، وهو التزام أكدته تشريعات العمل وأثبتت جدواه الممارسة العملية.

يقتضي التوازن اعتماد تدرج منطقي في الأثر المالي لنتائج التقييم؛ بحيث لا يؤدي اختلاف طفيف في التقدير إلى فجوات مالية غير متناسبة، لما لذلك من أثر سلبي على السلوك التنظيمي ومصداقية النظام.

يجب أن يكون إخطار العامل بنتيجة التقييم إخطارًا مسببًا، يتضمن بيانا واضحا لأسباب التقدير، تعزيزا لمبدأ الشفافية وحق الدفاع، ودعما لتقبّل العامل للنتيجة حتى وإن كانت غير مواتية.

يتعين تصميم مسار تظلم داخلي، يتسم بالاستقلال النسبي عن خط الإدارة المباشر، يضمن فحص الاعتراضات المقدمة من العمال أو ممثلي النقابات العمالية بجدية وموضوعية، ويجب أن يستند هذا المسار إلى تحليل دقيق للظروف الاقتصادية، مع التنسيق المستمر مع وحدة التدقيق المالي، وإشراك النقابات العمالية حيث وُجدت، باعتبارها عنصرا أساسيا من مشروعية النظام وضمان حقوق العمال.

وختاما فالقرار الوزاري رقم (317/2025) لا يُقاس بقوة نصوصه، وإنما بسلامة آليات تطبيقه، والعلاوة الدورية المرتبطة بالأداء ليست هي الغاية، بل وسيلة لإرساء علاقات عمل متوازنة، قوامها الثقة والعدالة، وفي تقديري الشخصي إن نجاح هذه المنظومة يظل مرهونًا بقدرة إدارات الموارد البشرية على تحويل السلطة التقديرية من أداة محتملة للهيمنة إلى وسيلة واعية لتحقيق العدالة التنظيمية، وصون الحقوق، ودعم استدامة المنشآت في آن واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى