هل سيحقق قرار تحديد الحد الأدنى للعلاوة الدورية مبتغاه؟

المهندس مـحمد بن علي الخالدي، مستشار الرئيس للتطبيق الإستراتيجي، الاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان
كيف سيستفيد عمال القطاع الخاص من ربط العلاوة الدورية بالأداء؟
طرحت الكثير من الأسئلة بعد صدور القرار الوزاري رقم 317/2025 في شأن تحديد الحد الأدنى للعلاوة الدورية وتنظيم صرفها للعمانيين العاملين في القطاع الخاص، والذي تسعى وزارة العمل من خلاله لرفع كفاءة العاملين في القطاع الخاص؛ وذلك عن طريق ربط العلاوة الدورية بالأداء الفعلي للعامل، مع تفصيل أكبر وأشمل لجميع مستويات التقييم لتعزيز مفهوم العدالة بين العاملين، والتمييز بين مستويات الأداء المختلفة.
إنّ هذا قرار يربط العلاوة الدورية بتقييم الأداء، ويعطي حيوية ومرونة أوسع لتحقيق معايير العدالة بين العاملين، وتجاوز المرحلة السابقة التي كانت تقدم علاوة دورية ثابتة، مقدارها 3 % لجميع العمال، باستثناء ذوي تقييم الأداء الضعيف منهم.
فضلا عن ذلك فوضع الإنتاجية معيارا لقدير العامل وتطور أجره، كما يحفز العاملين في القطاع الخاص على تحسين أدائهم وزيادة إنتاجهم ويشجعهم على التمسك بوظائفهم، ستجني منشآت القطاع الخاص ثمرة ذلك من خلال تحسين عملياتها التشغيلية وزيادة إنتاجيتها وربحيتها وتجنب التكاليف الناجمة عن فقدانها للعمال ذوي المهارة والكفاءة وتكبدها ميزانيات متكررة لتدريب عمالها الجدد وتأهيلهم.
قرار يعزز العدالة التحفيزية، ولكن من يراقب التقييم؟ وما المانع في وضع الجميع في خانة التقييم (مقبول) لتقليل كلفة الرواتب؟
إنّ ربط العلاوة الدورية بالأداء هو إجراء عادل، يهدُف إلى رفع مستويات الإنتاجية، وفتح باب التنافس الشريف، ولكن هنالك بعض الملاحظات الواجب التركيز عليها؛ فبحسب القرار الوزاري فإن توصيف مستويات الأداء غير محدد، وتم الاكتفاء بالتقييمات (ضعيف، مقبول، جيد، جيد جدًا، ممتاز)، في حين نرى ضرورة إيجاد توصيف شامل لكل المستويات وموحد ومعتمد وسارٍ على جميع المنشآت؛ وعلاوة على ذلك يجب تحديد آلية التقييم، وإلزام جميع المنشآت باستخدام نموذج تقييم موحد ومعتمد من الوزارة لتفادي التقديرات المزاجية، ونسب توزيع مستويات التقييم على العاملين غير محددة؛ فالقرار لم يتطرق إلى إلزامية توزيع نسب التقييم؛ بحيث يكون هناك على سبيل المثال: 10% ممتاز، 10 جيد جدًا …. إلخ؛ مما قد يعطي صاحب العمل الصلاحية بوضع كافة العاملين في المؤسسة في مستوى مقبول لتفادي دفع مبالغ أكبر من خلال العلاوة الدورية؛ لذلك فإن تفعيل آليات الرقابة على التقييم وضبطه، من خلال المقارنات بالسنوات الفائتة وإنتاجية المنشأة أصبح أكثر أهمية.
فضلا عن ذلك، يعد من المهم توفير نموذج توزيع نسب التقييم موحد ومعتمد من الوزارة، تُوضح فيه النسب الاسترشادية لفئات التقييم؛ بحيث لا تقل نسبة عدد العاملين الحاصلين على تقييم (ممتاز والجيد جدًا) عن 30 % من جميع العاملين في المنشأة على سبيل مثال؛ لهذا فإن عملية الربط بين تقييم المؤسسة للعاملين، وتقييم أداء المنشأة من حيث تحقيق الأرباح أصبح ضرورة مهمة في المرحلة القادمة؛ إذ أعطى القرار صاحب العمل الأحقية في عدم صرف العلاوة الدورية في ظل وجود ظروف اقتصادية، ولكن لم يوجه إلى دفع علاوة دورية عالية عند تحقيق أرباح عالية، ولعل الأنسب في هذه الحالة، إما الالتزام بالنسب المنصوص عليها في القرار الوزاري، أو تحديد نسبة من الأرباح، وتكون معتمدة من الوزارة، ويتم توزيعها بين العاملين على أساس أنها العلاوة الدورية.
كما أجاز القرار الوزاري تخفيض العلاوة الدورية في حال ثبوت توفر السبب الاقتصادي لدى المنشأة ، وقد تلجأ بعض المنشآت إلى تعديل بياناتها المالية من خلال تسجيل النفقات التسويقية أو الاستشارية أو غيرها من النفقات غير الضرورية؛ حتى تقوم بعمل تضخم مالي في بند المصروفات، وقد يلجأ بعضهم إلى تقسيم الشركة إلى كيانات أصغر أو موازية حتى يمكنها إعادة الهيكلة الحسابية، وتبرير الظرف الاقتصادي من خلال واحدة من هذه الشركات التي يتم وضع كافة العاملين فيها، والادعاء بالأعباء المالية نتيجة بند الأجور في هذه الشركة الفرع، وقد تلجأ بعض الشركات إلى استخدام التوقعات المستقبلية السلبية لتبرير الظرف الاقتصادي، بذريعة أن هذه الإجراءات احترازية، بغية عدم الدخول في وضع خطير مالي، قد يؤثر على جميع مكونات الشركة؛ لذلك لا بد من ضرورة التأكد من كفاءة المدقق الخارجي، وإلزام الشركات بإرفاق الوثائق التي تثبت أي مصروف استشاري أو تسويقي يفوق رقما معينا، وبيان نتائج العمل في هذا البند، ودعم اللجنة المعنية بمراجعة الظرف الاقتصادي بخبراء تدقيق مالي؛ في حين قد تلجأ بعض المنشآت إلى محاولة التخلص من ذوي الأجور الأساسية العالية من خلال إعادة هيكلة الشركة، والتخلص من بعض الوظائق العليا، أو من خلال إعادة هيكلة الأجور، ومحاولة تخفيض الأجر الأساسي مقابل العلاوات الأخرى، وقد تختلق مبررات غير منطقية لتغيير الأسماء الوظيفية والمسؤوليات حتى يتم العمل على تخفيض الأجور الأساسية لهذه الفئة أو التخلص منها، ولربما تحاول الضغط من خلال وضع ذوي الوظائف العليا تحت مسوؤلية رؤساء أصغر سنًا وأقل خبرة، وقد تقدم بعض المنشآت برامج تقاعدية لهذه الفئة، مثل نظام الاستقالة مقابل 12 راتبا مقدما، وبعض هذه الممارسات قد تكون موجودة، ويجب التفطن إليها ومراقبتها.
هل يمكن أن تلعب النقابات دورًا إيجابيًا في هذا القرار؟
قد وصل العمل النقابي في سلطنة عُمان إلى مراحل متقدمة من النضج والوعي، وهذا ما نلاحظه بشكل مستمر من خلال اتفاقيات العمل الجماعية أو من خلال الأدوار التي تلعبها النقابات في حلحلة الكثير من الإشكاليات التي تتعرض لها المنشآت؛ ولهذا فإن للنقابات العمالية دورًا مهمًا وجوهريًا في المرحلة القادمة، وخصوصا فيما يتعلق بتفعيل قرار العلاوة الدورية، ومراقبة تطبيقه بشكل سليم؛ فالنقابات ليست مجرد جهات تفاوضية، وإنما هي جهة رقابية داخل المنشأة، ودورها في مراقبة هذا القرار؛ بحيث يُستخدم وسيلةً لرفع أداء العامل وإنتاجيته وأجره الأساسي، وليس مجرد أداة عقابية بموجبها تتهرب المنشآت من دفع العلاوة الدورية؛ فمن المتوقع أن يكون للنقابات العمالية في المرحلة القادمة دورٌ في مراقبة أدوات التقييم وضبطها، بحيث تتسم بالشفافية والموثوقية؛ كذلك، من المهم تفعيل الأدوات التفاوضية في المنشآت لتكون النقابات شريكًا في صياغة أنظمة تقييم أداء؛ وألا تكون هذه الأنظمة أحادية الصياغة.
ختام
ختامًا، يمثل قرار تحديد الحد الأدنى للعلاوة الدورية وتنظيـمها للعمانيين العاملين في القطاع الخاص اختبارا حقيقيا لقدرة سوق العمل للانتقال من مرحلة استخدام الثوابت غير المحفزة إلى آليات تراهن على رفع مستويات الإنتاج، ويكون العامل أمام فرصة مثالية لرفع أجره مقابل رفع مستوى أدائه، والمنشآت أمام فرصة مثالية لإثبات شفافية أنظمة تقييم الأداء وعدالتها لديها، وقد يكون القرار أعطى لصاحب العمل السلطة التقديرية في التقييم، وقد تكون هذه السلطة نقطة قوة للتحفيز، ورفع الإنتاج والرضا الوظيفي بين العاملين، وقد تكون نقطة خطورة، إذا اُستغلت بشكل سلبي.
ونتيجةً لهذا القرار؛ يُتوقع أن تتخذ المنشآت أنظمة تقييم أداء عالية الشفافية والكفاءة والنزاهة، والانتقال من التقييم المبني على الانطباعات والعلاقات الشخصية إلى أنظمة عملية وعلمية عالية الدقة؛ ومع ذلك، فإن إيجاد أدوات رقابة فاعلة أصبح أمر ضروريًّا لحوكمة أنظمة التقييم حتى تتحقق الغاية من هذا القرار في رفع مستويات الأداء، وليس ضبط الكلفة التشغيلية للمنشآت على حساب الحقوق العمالية.



